17 نوفمبر 1958م.. تفكيك أول سابقة سودانية لتحويل المؤسسة العسكرية إلى حَكَم فوق السياسة
عروة الصادق
أخطر ما فعله انقلاب 17 نوفمبر 1958م في التاريخ السوداني يتجاوز إسقاط حكومة عبد الله خليل، فقد أدخل إلى الثقافة السياسية السودانية فكرةً بقي أثرها أطول من النظام الذي أنشأه، ومؤداها أن تعثر الخلاف داخل المؤسسات المدنية يمكن أن يفتح الباب أمام استدعاء القوة العسكرية لحسم ما عجزت السياسة عن حسمه، ومن هنا يصبح السؤال القديم: من سلّم السلطة للجيش؟ أوسع من خصومة بين حزب الأمة وخصومه، وأعمق من البحث عن شخص واحد نحمله وحده وزر ست سنوات من الحكم العسكري، لأن السؤال الحقيقي يتعلق بالمسار الذي نقل أزمة ائتلافية قابلة للحسم داخل البرلمان إلى قرار ألغى البرلمان نفسه، وبالكيفية التي استطاع بها رئيس حكومة منتخب استخدام موقعه التنفيذي والعسكري لفتح باب خرج منه نظام أطاح به هو أيضًا، ثم بالمسؤوليات المتفاوتة التي تقع على من دبّر، ومن نفّذ، ومن أيد، ومن منح الوضع الجديد قبولًا اجتماعيًا، ومن عاد إلى مقاومته بعد أن تكشفت طبيعته.
وهذه الحفرية تحاول الاقتراب من 17 نوفمبر بالطريقة التي حاولت بها لجنة التحقيق القضائية بعد ثورة أكتوبر الاقتراب من الواقعة نفسها: الوقائع أولًا، ثم المسؤوليات، ثم الدلالة، وتظل الوثيقة الأشد أهمية هنا هي التحقيق في الأسباب التي أدت إلى انقلاب 17 نوفمبر 1958م، الذي أجرته لجنة قضائية شُكلت في فبراير 1965م، واستمعت إلى عبد الله خليل، وإبراهيم عبود، وأحمد عبد الوهاب، وعدد من العسكريين والمدنيين، كما أحال البحث الأكاديمي المبكر في ثورة أكتوبر إلى ذلك التحقيق باعتباره مصدرًا أصليًا لفهم الانقلاب، وما تقوله هذه المادة يجعل الرواية أكثر تعقيدًا من السرديات الحزبية المريحة، وأكثر فائدة كذلك للسودان المعاصر.
الأزمة التي كان يستطيع البرلمان حسمها
عشية الانقلاب كانت حكومة الأميرلاي عبد الله بك خليل تواجه أزمة سياسية حقيقية، فقد كان ائتلاف حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي يعاني تصدعًا داخليًا، وتصف شهادة علي عبد الرحمن أمام التحقيق حكومة افتقدت العمل كفريق متماسك واستمر الصراع داخلها، وفي الوقت نفسه كانت ترتيبات سياسية جديدة تتحرك باتجاه تقارب بين حزب الأمة والوطني الاتحادي، بما كان يهدد بإنهاء الحكومة القائمة أو إعادة تشكيلها، كما وجدت الحكومة نفسها أمام أزمة أخرى حول المعونة الأميركية التي أقرها البرلمان بعد مواجهة سياسية، وأمام ضغوط اقتصادية ارتبطت بأسعار القطن، وتراجع احتياطي النقد الأجنبي، وقيود الاستيراد، إلى جانب توتر العلاقة مع مصر وملفات مياه النيل والحدود والنفوذ السياسي، ولذلك ترسم الدراسات التاريخية صورة حكومة محاصرة باقتصاد مضطرب، وائتلاف متوتر، وصراع إقليمي ضاغط.
غير أن خطورة هذه الوقائع كلها تبقى، من حيث الأصل، داخل نطاق السياسة والدستور، فالحكومة قد تسقط، والائتلاف قد يتبدل، ورئيس الوزراء قد يفقد الأغلبية، والبرلمان يستطيع سحب الثقة، كما تستطيع انتخابات لاحقة معاقبة حزب ومكافأة آخر، وهذه تحديدًا هي وظيفة النظام الدستوري: تحويل النزاع على السلطة من صراع وجودي إلى عملية قابلة للتسوية والتداول، أما الانزلاق الحقيقي فقد بدأ عندما أصبح بقاء حكومة معينة متصلًا، في ذهن بعض الفاعلين، بـبقاء النظام السياسي نفسه، ومن هنا انتقلت الأزمة من سؤال: من يحكم داخل النظام؟ إلى سؤال أخطر: هل يبقى النظام نفسه قائمًا إذا خسر فريق سياسي موقعه داخله؟.
الأميرلاي .. الرجل الذي اجتمعت عنده ثلاث سلطات
لفهم 17 نوفمبر يصعب فصل القرار عن الموقع الاستثنائي لعبد الله خليل، فقد كان رئيسًا للوزراء، ووزيرًا للدفاع، وضابطًا سابقًا رفيعًا في الجيش، وقياديًا مركزيًا في حزب الأمة، وهو اجتماع جعل المسافة بين القيادة السياسية والعسكرية عنده أقصر مما تكون عليه لدى سياسي مدني بعيد عن المؤسسة العسكرية، غير أن هذه الميزة حملت في داخلها مفارقة خطرة، فوزير الدفاع مسؤول عن الجيش داخل النظام الدستوري، بينما يؤدي استخدام الجيش لتعطيل النظام نفسه إلى قلب العلاقة رأسًا على عقب، فتتحول المؤسسة الواقعة تحت السلطة المدنية إلى جهة تملك السلطة على المدنيين.
وفي التحقيق القضائي ظهرت هذه العقدة بصورة شديدة الدلالة، إذ نُقل عن الفريق إبراهيم عبود أنه تلقى توجيه عبد الله خليل باعتباره صادرًا من وزير الدفاع، وأنه لم يطلب أمرًا مكتوبًا، لأنه رأى في ما قيل له ما يخدم استقرار البلاد، غير أن القراءة القانونية المنشورة ليوميات التحقيق تشير إلى أن دستور السودان المؤقت لعام 1956م جعل مجلس السيادة السلطة الدستورية العليا، وتؤول إليه القيادة العليا للقوات المسلحة، ومن ثم يتعذر العثور على سند دستوري يمنح رئيس الوزراء أو وزير الدفاع سلطة إلغاء النظام المدني وتسليم الدولة إلى قائد الجيش.
وهنا تنكشف العقدة بأوضح صورها، فإذا صح أن عبد الله خليل أصدر توجيهًا لعبود، فإن ذلك يفسر قناة بدء العملية، غير أن صدور الإشارة من داخل الحكومة لا يحول الاستيلاء العسكري إلى إجراء دستوري، فالانقلاب يستطيع أن يبدأ من داخل السلطة المدنية نفسها ويبقى انقلابًا، لأن المعيار الحاسم يتعلق بما حدث للنظام الدستوري، لا بالموقع الوظيفي للشخص الذي فتح الباب.
«تسليم وتسلم».. العبارة التي حجبت نصف الحقيقة
أصبحت عبارة «عبد الله خليل سلّم السلطة لعبود» واحدة من أكثر الجمل رسوخًا في الذاكرة السودانية، غير أنها تحتاج إلى تفكيك دقيق، لأن كلمة «سلّم» توحي ضمنًا بأن رئيس الوزراء كان يملك السلطة ملكًا شخصيًا يستطيع نقلها إلى من يشاء، بينما كان الدستور يوزع السلطة بين مؤسسات، في مقدمتها مجلس السيادة، والبرلمان، والحكومة، وعبد الله خليل كان رئيس حكومة داخل هذه البنية، لا مالك الدولة ولا صاحب حق شخصي في نقل سيادتها.
ولهذا يبدو التوصيف الأدق، وفق ما تسمح به الشهادات والوقائع المتاحة، أن فاعلًا مدنيًا في قمة السلطة شارك في فتح الطريق أمام استيلاء عسكري على النظام الدستوري، ثم وقع ما يتكرر كثيرًا عندما تستعين السياسة بالسلاح لحسم صراعها، إذ انفصلت الأداة عن صاحبها، فذهب البرلمان، وذهبت الحكومة، وخرج عبد الله خليل نفسه من السلطة، وأصبحت القيادة العسكرية مركز الدولة، ومن هنا يمكن فهم ما جرى باعتباره مفارقة الوكالة العسكرية: يستدعي السياسي القوة العسكرية لتعديل ميزان سياسي لمصلحته، ثم تكتشف القوة التي استُدعيت أن امتلاك الميزان كله أصبح في متناولها.
وهذه الظاهرة أوسع من الخصوصية السودانية، غير أن السودان عرفها مبكرًا، ثم حمل أثرها الثقيل في تاريخه اللاحق.
ما فعله العسكريون تجاوز أي «مهمة مؤقتة»
يمكن اختبار الرواية التي تقدم 17 نوفمبر باعتباره إجراءً محدودًا لمعالجة أزمة سياسية بسؤال واحد: ماذا فعل النظام بعد استلام السلطة؟، والجواب موجود في أوامره الأولى، إذ عُطّل الدستور المؤقت، وحُل البرلمان، وحُلّت الأحزاب، ومُنعت التنظيمات السياسية، وأصبح المجلس الأعلى للقوات المسلحة صاحب السلطات الدستورية والتشريعية والتنفيذية الواسعة، ثم مُنحت رئاسته سلطات مركزية كبيرة، كما تظهر إفادة أحمد خير في التحقيق دوره في صياغة بعض الأوامر الدستورية التي نظمت الوضع الجديد..
وعند هذه النقطة انتهت أي إمكانية جادة لتوصيف الواقعة كتغيير حكومة، لأن مصدر السلطة وقواعد ممارستها تغيرا معًا، وهذا هو الحد الفاصل بين أزمة سياسية وانقلاب دستوري، فقد يكون عبد الله خليل تصور انتقالًا قصيرًا، وربما ظن بعض المؤيدين أن الجيش سيعيد ترتيب المشهد ثم يعود إلى ثكناته، وقد يكون العسكريون أنفسهم دخلوا السلطة بتصورات متباينة عن الصورة التي استقر عليها الحكم بعد ذلك، إلا أن الحكم على النظام يقوم على المؤسسات التي أنشأها، والحقوق التي عطلها، والسلطات التي جمعها، أكثر من قيامه على النيات التي حملها الأفراد ساعة البدء.
حزب الأمة .. بين المسؤولية الفردية والمسؤولية المؤسسية
هنا ندخل المنطقة التي تحولت طويلًا إلى سجال حزبي، ومنهج القراءة يقتضي الفصل بين ثلاثة أسئلة مختلفة: هل اتخذ عبد الله خليل قرارًا أدى إلى الانقلاب؟، وهل اتخذ حزب الأمة كمؤسسة قرارًا رسميًا بإلغاء الديمقراطية وتسليم الحكم للجيش؟، وهل عرف أو أيد بعض قادة الحزب أو البيئة الأنصارية المحيطة به ترتيبات أو فكرة تدخل الجيش؟، فهذه أسئلة متمايزة، ودمجها في إجابة واحدة يختزل التاريخ بدل أن يفسره.
وتقول المواد التي بين أيدينا، ومنها رواية الراحل أمين التوم التي استند إليها الإمام الصادق المهدي، إن قيادة حزب الأمة كانت تتجه إلى ائتلاف جديد مع الوطني الاتحادي، وإن عبد الله خليل عارض هذا الاتجاه فترة ثم وافق عليه، وأن ترتيبات تكوين حكومة جديدة كانت قد تقدمت قبل وقوع الانقلاب، كما تنقل الرواية أن وزراء استيقظوا فجر 17 نوفمبر على قرارات إعفائهم التي وصلتهم بواسطة الجيش.
وفي المقابل، تقدم مصادر تاريخية أخرى تصويرًا أوسع، وتتحدث عن تخطيط عبد الله خليل مع قيادات عسكرية، وتشير بعض الأدبيات إلى معرفة أو مشاركة أفراد نافذين من المحيط السياسي لحزب الأمة. .
وما يمكن قوله بدرجة معقولة من الصرامة هو أن المواد التي استندت إليها هذه الحلقة حتى الآن لم تكشف وثيقة تثبت قرارًا مؤسسيًا صادرًا عن مجلس إدارة حزب الأمة يأمر القوات المسلحة بالاستيلاء على السلطة، وفي الوقت نفسه فإن غياب قرار حزبي مكتوب لا يمحو دور عبد الله خليل سكرتير عام الحزب وقتئذ، ولا يعفي أي شخص آخر يثبت أنه شارك في الترتيب أو وفر له الغطاء، وهنا يظهر الفارق بين كتابة التاريخ وكتابة المرافعة الحزبية، فالتاريخ يوزع المسؤولية بقدر الفعل والدليل، لا بقدر الرغبة في الإدانة أو التبرئة.
الإمام الصديق.. عقدة تحتاج مزيدًا من الوثائق
تقدم روايات حزب الأمة اللاحقة الإمام الصديق المهدي في موقع الرافض لتسليم السلطة منذ مرحلة مبكرة، وتقول إن غالبية مجلس إدارة الحزب رفضت الفكرة عندما طُرحت، غير أن الوثائق التي جُمعت حتى الآن تحمل تفصيلًا يستوجب التوقف عنده، ففي مذكرة نُسبت إلى الإمام الصديق في سبتمبر 1959م أشار إلى أنه سار بعد وفاة والده على تأييد «الوضع القائم» باعتباره مؤقتًا، ثم انتهى، بعد متابعة الأشهر الأولى، إلى المطالبة بإنهاء مباشرة الجيش للحكم، وتكوين حكومة مدنية، وإعداد دستور، والعودة إلى الديمقراطية.
ومن جهة أخرى، تنقل شهادة عبود في التحقيق أنه دُعي قبل الانقلاب بنحو شهرين إلى اجتماع في منزل الصديق المهدي حضره عدد من الضباط، ودار الحديث فيه حول عدم استقرار الوضع السياسي وفكرة تعيين وزير دفاع من الجيش.
وهذه المادة التي دوما ما تنشر في ذكرى رحيل الإمام الصديق من منصادت معادية للأنصار لا تكفي وحدها لإثبات أن الإمام الصديق خطط للانقلاب، كما أنها تمنع إغلاق الملف بجملة قاطعة قبل فحص بقية المحاضر والوثائق، ولهذا أدعو بصورة خاصة من يحتفظون بمذكرات، أو مراسلات، أو محاضر اجتماعات، أو شهادات مباشرة تخص تلك الفترة إلى إتاحتها، لأن هناك فرقًا بين الذاكرة السياسية والوثيقة المعاصرة للحدث، ومشروع «حفريات أكتوبر» ينحاز إلى الوثيقة كلما تعارض الاثنان.
وهذا التمييز بالغ الأهمية لأن السودان كثيرًا ما خلط بين ثلاثة أنواع من الشرعية: شرعية القانون، وشرعية القبول الاجتماعي، وشرعية الأمر الواقع، وقد يجمع نظام بين اثنتين منها ويفتقد الثالثة، كما قد يبدأ بقبول اجتماعي حقيقي ثم يفقده، وهو ما جرى تدريجيًا مع حكم عبود، فقد رأى التقدير الأميركي الصادر في يناير 1959م أن النظام يستطيع في المدى القصير الاعتماد على سيطرته على الجيش وعلى دعم قادة محافظين سياسيين ودينيين، وفي الوقت نفسه توقع تصاعد التوترات والمعارضة بمرور الوقت. وبذلك ميزت حتى القراءة الخارجية المبكرة بين القدرة على الحكم وبين استدامة القبول.
هل كان الخارج وراء الانقلاب؟
كل انقلاب سوداني تقريبًا تنتج حوله لاحقًا رواية تجعل الخارج في مركز القصة، و1958م لم يخرج من هذه القاعدة، فالبيئة الإقليمية كانت حادة بالفعل، وجمال عبد الناصر كان في ذروة حضوره العربي، والسودان شديد الحساسية تجاه النفوذ المصري، والعراق شهد انقلاب يوليو 1958م، والحرب الباردة كانت تعيد رسم التحالفات، فيما كانت واشنطن وموسكو والقاهرة ولندن تراقب السودان عن قرب.
وتتيح الوثائق الأميركية رؤية جزء من هذه الصورة، ففي يوليو 1958م كان عبد الله خليل قد سأل السفير الأميركي، ثم جرى تشاور أميركي–بريطاني حول نوع المساعدة الممكنة إذا تعرض السودان لعدوان مصري مباشر أو غير مباشر، وهي واقعة توضح حجم هاجس القاهرة لدى حكومته. كما تكشف وثائق أميركية أخرى أن واشنطن كانت تتابع التنافس الإقليمي، والنفوذ المصري، وتطورات الاقتصاد السوداني، والقطن، والعروض السوفيتية قبل الانقلاب.
غير أن المادة التي اطلعت عليها حتى الآن لا تمنح أساسًا كافيًا للقول إن الولايات المتحدة أو بريطانيا أمرتا بانقلاب 17 نوفمبر أو أدارتاه، فوجود النفوذ الخارجي حقيقة، والبيئة الدولية عامل مهم، أما نسبة القرار نفسه إلى قوة خارجية فتحتاج إلى دليل مباشر أقوى، وهذه قاعدة منهجية تستحق التثبيت: وجود المصلحة لا يثبت الفعل، ووجود المعرفة لا يثبت التدبير.
الأزمة الاقتصادية.. العامل الذي يُنسى أمام السياسة
تركز الروايات السياسية عن الانقلاب غالبًا على الائتلافات، والسيدين، والأحزاب، وتضع الاقتصاد في الخلف، غير أن السودان في 1958م كان شديد الاعتماد على القطن، وتعثر تسويقه ضغط على المالية العامة والنقد الأجنبي، وفرضت الحكومة قيودًا على الاستيراد، كما أثرت إجراءات مصرية على صادرات سودانية معينة، وتعرضت حكومة عبد الله خليل لضغوط اقتصادية تزامنت مع صراع سياسي متصاعد.
وتكمن أهمية هذا العامل في ما هو أوسع من تفاصيل ذلك العام، فالأزمات الاقتصادية لا تصنع الانقلاب تلقائيًا، لكنها تخفض قدرة النظام السياسي على تحمل الخلاف، وعندما تضيق الموارد يتحول النزاع حول السياسة إلى نزاع حول توزيع الخسائر، وتتراجع شعبية الحكومة، وتتصلب الائتلافات، وترتفع شهية البدائل السريعة، ويصبح خطاب «الحزم» أكثر جاذبية، وهو نمط تكرر عالميًا ولم يكن السودان استثناءً منه، ولذلك فإن قراءة الانقلابات من بوابة الضباط وحدهم تظل قراءة ناقصة، لأن الانقلاب يحتاج أيضًا إلى بيئة مدنية أضعفت دفاعات النظام الدستوري قبل وصول الدبابة.
خمسة فاعلين.. وخمسة أنواع من المسؤولية
عند جمع الشهادات، والتحقيقات، والبيئة السياسية، يمكن توزيع مسؤولية 17 نوفمبر على خمس طبقات من دون مساواتها في الوزن، فعبد الله خليل يتحمل مسؤولية مركزية إذا ثبت، كما تشير شهادات التحقيق، أنه وجّه قيادة الجيش نحو التدخل، والقيادة العسكرية تتحمل مسؤولية مستقلة لأنها قبلت الخروج من وظيفتها الدستورية ثم أنشأت نظامًا عسكريًا عطل المؤسسات، والقوى التي أيدت الانقلاب منحت الأمر الواقع رصيدًا سياسيًا واجتماعيًا وخفضت كلفة أيامه الأولى، فيما تتحمل النخبة الحزبية مجتمعة نصيبًا أوسع من المسؤولية السياسية عن إضعاف ثقة المواطنين في التجربة الديمقراطية بسبب الانقسامات، والعجز عن إنجاز الدستور، وصعوبة إدارة الائتلافات، وهي مسؤولية سياسية تختلف قانونيًا عن مسؤولية تقويض النظام.
أما الطبقة الخامسة فتتعلق بالبنية الدستورية الوليدة نفسها، فالدولة المستقلة حديثًا لم تكن قد رسخت بعد أعرافًا سياسية تجعل اللجوء إلى الجيش خارج دائرة التفكير السياسي، وهذا التوزيع يمنع خطأين متقابلين، أولهما تبرئة المدنيين بالكامل لأن الجيش هو الذي نفذ الانقلاب، وثانيهما تبرئة العسكريين بحجة أن سياسيًا طلب منهم التدخل.
أول سابقة لتحويل الجيش إلى «محكمة سياسية»
المشكلة الأعمق في 17 نوفمبر تتجاوز وصول الجيش إلى الحكم، لأن السابقة الأخطر التي دخلت المخيال السياسي السوداني كانت أن تعثر السياسة يمكن أن يرفع المؤسسة العسكرية إلى موقع الجهة التي تصدر الحكم الأخير، وهذه الفكرة أكثر بقاءً من الحكومة العسكرية نفسها، فالحكومة قد تسقط، بينما تبقى السابقة داخل ذاكرة المؤسسات.
ومنذ تلك اللحظة صار لكل أزمة سؤال إضافي: ما موقف الجيش؟، ولكل صراع حزبي إغراء خفي: هل يمكن الاستعانة بالمؤسسة المسلحة؟، ولكل ضابط طموح سابقة تقول إن الطريق إلى القصر يمكن أن يبدأ من الثكنة، وهذا ما يمكن تسميته سيادة التحكيم المسلح، أي أن تتحول القوة العسكرية، في وعي بعض السياسيين، إلى جهة يحق لها الفصل بين المتنافسين عند تعطل أدوات السياسة، ومن هنا تبدأ الحلقة السودانية التي ستتكرر بأشكال مختلفة في 1969م و1989م، ثم تتخذ صورًا أخرى في مراحل لاحقة، فقد تغير الفاعلون وتبدلت الأيديولوجيات، بينما بقيت السابقة التي فُتحت عام 1958م كامنة في بنية الدولة.
الفرق بين 1958م والانقلابات اللاحقة
الوثائق التي بين أيدينا، إلى جانب خطابات الراحل الإمام ١الصادق المهدي، تميز حكم عبود عن نظامي مايو والإنقاذ، وهذه مقارنة تحتاج إلى إنصاف، فقد كان نظام عبود عسكريًا سلطويًا عطّل الدستور والأحزاب والحريات، وتصاعدت في عهده الحرب في الجنوب، لكنه لم يبنِ حزبًا أيديولوجيًا شاملًا يبتلع الجيش والخدمة المدنية والمجتمع بالدرجة التي عرفها السودان لاحقًا في تجارب أخرى.
كما وصفت دراسة مبكرة عن الجيش في السياسة السودانية نظام عبود بأنه حقق بعض الكفاءة الاقتصادية والإدارية في مراحل معينة، بينما ازداد عجزه السياسي، وربطت سقوطه باتساع العداء وسط الطلاب، والمعلمين، والمهنيين، والنقابيين، وقطاعات داخل القوات المسلحة، وبفشل المعالجة العسكرية لقضية الجنوب.
وهذه الفروق ضرورية لفهم التاريخ بدرجاته، غير أن اختلاف درجات السلطوية لا يغير القاعدة الأصلية: الجيش تولى سلطة لم يمنحه الناخبون إياها، ثم ألغى المؤسسات التي كانت تستطيع سحبها منه.
السؤال الذي يخص السودان اليوم
إذا توقفنا عند تحديد المسؤول عن 1958م، نكون قد كتبنا محضر اتهام تاريخيًا وانتهينا، أما إذا قرأنا الواقعة باعتبارها خبرة دولة، فسوف تظهر أمامنا مسألة أشد أهمية، فمنذ الاستقلال تكرر في السودان الخلط بين وظيفتين مختلفتين: حماية الدولة وتحديد من يحكم الدولة، الأولى وظيفة مؤسسات الأمن والدفاع داخل الدستور، والثانية حق سياسي للمواطنين ومؤسساتهم، وكل مرة تختلط الوظيفتان يدفع السودان جزءًا من استقراره المستقبلي.
وحرب 15 أبريل 2023م تجعل هذا الدرس أكثر إلحاحًا، لأن المشكلة التي بدأت تاريخيًا بسؤال «هل يجوز للجيش أن يحكم؟» اتسعت عبر العقود إلى أسئلة عن تعدد مراكز القوة المسلحة، والسيادة، واحتكار السلاح، ومصدر الشرعية، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالدولة والمجتمع، ولذلك فإن إصلاح العلاقة المدنية–العسكرية بعد الحرب يتجاوز تغيير الأشخاص أو توقيع وثيقة، ويحتاج إلى تأسيس عقيدة سياسية ودستورية جديدة تقول بوضوح إن حق تحديد النظام السياسي مصدره المواطن والمؤسسة الدستورية، بينما تبقى القوة المسلحة أداة لحماية الدولة داخل القانون، لا مصدرًا لشرعية الحكم. وهذه قاعدة دولة؛ فغيابها قد يسمح بانتهاء حرب مع بقاء شروط الحرب التالية.
الدرس الذي تركه عبد الله خليل من دون أن يقصده
ربما تكون المفارقة الأكثر إيلامًا في سيرة 17 نوفمبر هي مصير الرجل الذي فتح الباب، فإذا كان هدف عبد الله خليل حماية ترتيب سياسي، أو منع ائتلاف يرفضه، أو تجنيب البلاد ما رآه فوضى قادمة، فإن النتيجة تجاوزت تلك الأهداف جميعًا، فقد منصبه، وفقد حزبه السلطة، وأُلغي البرلمان الذي كان يستطيع داخله أن يخسر معركة سياسية واحدة ثم يعود إلى المنافسة، وأصبح السودان كله محكومًا بست سنوات من النظام العسكري.
وهذه هي تكلفة اختصار السياسة، فالسياسة بطيئة، ومزعجة، ومليئة بالتسويات، غير أن بطئها يؤدي وظيفة عميقة، لأنه يسمح للخاسر اليوم بأن يعود غدًا، أما السلاح فيختصر المسافة بإلغاء إمكانية الخلاف نفسها، ولهذا قال المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أولٌ وهي المحل الثاني
والدولة الحديثة تقول المعنى نفسه بلغة المؤسسات: القوة تحمي القرار الشرعي، ولا تنشئ شرعيته من ذاتها.
لماذا ما زال 17 نوفمبر حاضرًا؟
لأن السودان لم يحسم بعد المبدأ الذي خُرق في ذلك اليوم، فالدستور يمكن أن يتغير، والأحزاب يمكن أن تتبدل، والحكومات تسقط، غير أن انتقال السلطة يحتاج دائمًا إلى قاعدة معلومة يستطيع المجتمع مراقبتها ومساءلتها، وقد قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، والشورى هنا، في معناها السياسي الواسع، تعيد الأمر إلى أصحابه، بينما نقل 17 نوفمبر الأمر من المجتمع إلى السلاح، ثم جاءت أكتوبر بعد ست سنوات لتعيده إلى المجتمع، غير أن السؤال الذي تركه التاريخ لنا أكثر صعوبة: كيف نبني دولة يستحيل فيها على سياسي خائف من خسارة البرلمان أن يحول الجيش إلى أداة إنقاذ سياسي، ويستحيل فيها على قائد عسكري أن يفسر طلب التدخل باعتباره تفويضًا بحكم الأمة؟
إذا استطاع السودان بناء إجابة مؤسسية راسخة لهذا السؤال، يكون قد أغلق أخطر باب فُتح عام 1958م، أما بقاء السؤال دون جواب فسيجعل أسماء الانقلابات تتغير، فيما تستمر البنية التي تنتجها.
نداء إلى شهود 17 نوفمبر 1958م وأسرهم
في هذه الحلقة تحديدًا نبحث عن مادة أولية قادرة على حسم نقاط ما تزال محل خلاف، من بينها محاضر اجتماعات حزب الأمة قبل الانقلاب، ومراسلات عبد الله خليل، ووثائق الإمام الصديق والإمام عبد الرحمن المهدي، وشهادات أعضاء مجلس إدارة حزب الأمة، ووثائق الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي، وإفادات أعضاء مجلس السيادة، ومذكرات الضباط المشاركين، والنسخة الكاملة من تحقيق وزارة العدل لعام 1965م، وأي وثائق تتصل بالاتصالات التي جرت خلال الأسابيع السابقة ليوم 17 نوفمبر.
ونبحث كذلك عن الروايات التي تعارض ما كتبناه، لأن الوثيقة التي تنقض فرضيتنا أثمن للمشروع من شهادة تعيد إنتاجها، وهذه هي قاعدة «حفريات أكتوبر»: ما نبحث عنه هو التاريخ، لا الانتصار في نزاع حول التاريخ.