اعتماد قرار السودان بأغلبية 28 صوتاً وتجديد ولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية لعام جديد
عاجل مدنية نيوز
عاجل | من داخل قاعة مجلس حقوق الإنسان بجنيف
مدنية نيوز | جنيف – 5 أكتوبر 2026
اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، اليوم الاثنين، القرار الخاص بالسودان بأغلبية واضحة بلغت 28 دولة مؤيدة، مقابل 10 دول عارضت القرار، فيما امتنعت 9 دول عن التصويت، في تطور يعزز استمرار آلية التحقيق الدولية في الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب السودانية.
وبحسب المعلومات الواردة مباشرة من داخل قاعة الاجتماع في جنيف، حسم المجلس التصويت لمصلحة مشروع القرار A/HRC/63/L.26 المعنون: «الاستجابة لأزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع المسلح المستمر في السودان».
وكانت المملكة المتحدة وألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج قد تقدمت بوصفها الدول الراعية الرئيسية للمشروع خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان.
ويعني التصويت مشاركة جميع الدول الـ47 الأعضاء في المجلس، مع ارتفاع عدد المؤيدين للقرار مقارنة بالعام الماضي، عندما جرى تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق في أكتوبر 2025 بأغلبية 24 صوتاً مقابل 11 وامتناع 12 دولة.
وتشير المقارنة إلى اتساع قاعدة التأييد للآلية الدولية الخاصة بالسودان؛ إذ ارتفع المؤيدون من 24 إلى 28 دولة، وانخفض المعارضون من 11 إلى 10، كما تقلص عدد الممتنعين عن التصويت من 12 إلى 9.
تمديد بعثة تقصي الحقائق لعام جديد
ويقرر النص الذي عُرض على المجلس تمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان لمدة عام واحد، مع استمرار عملها في التحقيق والتوثيق وحفظ الأدلة المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والجرائم الدولية المحتملة.
كما يطلب القرار من البعثة تقديم إحاطة شفوية أمام الدورة الخامسة والستين لمجلس حقوق الإنسان، يعقبها حوار تفاعلي موسع بمشاركة ممثل للمجتمع المدني، ثم تقديم تقرير شامل في الدورة السادسة والستين، على أن يعرض التقرير كذلك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثانية والثمانين.
ويطالب القرار أطراف النزاع والدول والأطراف ذات الصلة بالتعاون الكامل مع البعثة، وتزويدها بالمعلومات والوثائق اللازمة، كما يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة توفير الموارد والخبرات الإدارية والفنية واللوجستية المطلوبة لتنفيذ ولايتها.
لا حل عسكرياً للحرب
ومن أبرز مضامين القرار تأكيد مجلس حقوق الإنسان مجدداً أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة في السودان»، والدعوة إلى وقف فوري وكامل لإطلاق النار من دون شروط مسبقة، وإنشاء آلية مستقلة لمراقبته، وإعادة تأهيل البنية الأساسية الحيوية التي دمرتها الحرب.
كما يدعو إلى تسوية تفاوضية وسلمية تستند إلى حوار سوداني شامل، يملكه ويقوده السودانيون، مع المشاركة الفاعلة للقوى المدنية والنساء والشباب، وصولاً إلى عملية انتقال سياسي موثوقة وشاملة تنتهي بقيام حكومة وطنية منتخبة ديمقراطياً عقب فترة انتقال بقيادة مدنية.
ويعيد القرار التأكيد على ضرورة التنفيذ الكامل لـإعلان جدة لحماية المدنيين، مطالباً الأطراف بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية بصورة كاملة وآمنة وسريعة ومن دون عوائق، بما في ذلك عبر الحدود وخطوط التماس.
إدانة الانتهاكات من طرفي الحرب
ويدين القرار الانتهاكات المنسوبة إلى جميع أطراف النزاع، بما في ذلك القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ويشير إلى القصف الجوي والهجمات بالطائرات المسيّرة والهجمات العشوائية على المدنيين، والقتل خارج نطاق القضاء، والعنف الجنسي والقائم على النوع، والاعتقال التعسفي والاختطاف والتعذيب والانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال.
كما يشير إلى استهداف وتدمير منشآت حيوية تشمل المستشفيات والمدارس وغيرها من الأعيان الضرورية لبقاء المدنيين.
وكان تقرير بعثة تقصي الحقائق الذي استند إليه مشروع القرار قد خلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ارتكبتا انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وأن بعض الأفعال يمكن أن ترقى إلى جرائم حرب، بما في ذلك انتهاكات مرتبطة باستخدام الطائرات المسيّرة.
ويستند النص إلى خلاصات بعثة تقصي الحقائق التي اعتبرت أن أنماطاً من الانتهاكات في الفاشر قد تشكل جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وقد تحمل سمات دالة على الإبادة الجماعية.
كما يعبر المجلس عن قلق بالغ إزاء الوضع في كردفان، ولا سيما في محيط مدينة الأبيض، محذراً من خطر وقوع فظائع واسعة النطاق بحق مئات الآلاف من المدنيين والنازحين.
الحرب الخارجية وشبكات التسليح
ويكتسب القرار أهمية إضافية في ملف الدعم الخارجي للحرب، إذ يعبر عن قلق بالغ من استمرار التدخل الخارجي، بما في ذلك شبكات التمويل غير المشروعة، وانتشار أفراد أجانب ومرتزقة، وإمداد أطراف النزاع بالأسلحة والمعدات والطائرات المسيّرة.
ويشير النص بصورة خاصة إلى ما توصلت إليه بعثة تقصي الحقائق من وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوجود شبكة عابرة للحدود تمتد عبر عدة دول قدمت لقوات الدعم السريع أسلحة ودعماً لوجستياً وتدريباً وأفراداً أجانب، بمن فيهم متعاقدون يعملون في أنظمة الأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة، ارتبط نشاطهم بعمليات في زمزم والفاشر.
وفي الوقت نفسه، يدين القرار جميع أشكال التدخل الخارجي التي تغذي الحرب، ويشمل ذلك توريد الأسلحة والمعدات العسكرية ونشر العناصر الأجنبية والمرتزقة، ويشير إلى الدعوات المطالبة بوقف الدعم العسكري والمادي لجميع الأطراف.
رفض سلطة موازية
ويتضمن القرار كذلك بنداً سياسياً لافتاً يحث جميع الأطراف والدول على احترام وحدة السودان وسلامة أراضيه، ويدعو إلى رفض الجهود الرامية إلى إنشاء سلطة حكم موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
المساءلة والمحكمة الجنائية
وفي ملف العدالة، يؤكد القرار أن ضمان المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان يمثل عنصراً مركزياً في أي حل مستدام للأزمة السودانية.
ويشدد على ضرورة إجراء تحقيقات كاملة ومستقلة ومحايدة وشفافة في جميع الانتهاكات المزعومة، ومحاسبة المسؤولين عنها عبر كامل سلسلة المسؤولية، مع الإشارة إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه المحكمة الجنائية الدولية، وإلى دعوة بعثة تقصي الحقائق لتوسيع نطاق الولاية القضائية المتعلقة بالجرائم الدولية إلى ما وراء دارفور لتشمل السودان بأكمله.
كما يشدد المجلس على حفظ الأدلة والتوثيق المنهجي للخسائر والانتهاكات لاستخدامها في عمليات المساءلة المستقبلية وجبر الضرر والتعويضات.
واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم
ويرسم القرار صورة شديدة الخطورة للوضع الإنساني، مشيراً إلى أن أكثر من 33 مليون شخص باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وأن عدد النازحين وصل إلى نحو 11 مليون شخص، بينهم 4.4 مليون لاجئ عبروا إلى الدول المجاورة.
كما يشير إلى أن نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة 41% من السكان، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع وجود خطر المجاعة في 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وجنوب كردفان، ويحذر من احتمال استخدام التجويع وسيلة من وسائل الحرب.
تحول في ميزان التصويت الدولي
ويمثل تصويت اليوم محطة مهمة في مسار آلية تقصي الحقائق التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر 2023.
فعند تأسيسها عام 2023 حصل القرار على 19 صوتاً مؤيداً مقابل 16 معارضاً و12 امتناعاً، ثم ارتفع التأييد في 2024 إلى 23 صوتاً مقابل 12 و12 امتناعاً، ووصل في 2025 إلى 24 صوتاً مقابل 11 و12 امتناعاً.
أما تصويت اليوم، وفق النتيجة الواردة من داخل القاعة، فقد بلغ 28 صوتاً مؤيداً مقابل 10 أصوات معارضة و9 امتناعات، وهو أعلى مستوى تأييد حصل عليه قرار تجديد بعثة تقصي الحقائق بشأن الحرب السودانية منذ إنشائها.
ويأتي اعتماد القرار خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة في جنيف، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن الأزمة السودانية ظلت بنداً رئيسياً في أعمال الدورة، بما في ذلك مناقشة تقرير بعثة تقصي الحقائق والتطورات المتعلقة بالفاشر والأبيض وحماية المدنيين.