أعمدة ومقالات

الساقية لسه مدوّرة: تكاثر المليشيات نذير الخراب الشامل

د/ الأمين بلال مختار
alaminmukhtar@hotmail.com
october/7/2026
الساقية لسه مدّورة» هي عبارة شهيرة ومطلع لأغنية سودانية خالدة تحمل هذا الاسم، كتبها الشاعر السوداني عمر الطيب الدوش، لحنها ناجي القدسي، وغناها الفنان حمد الريح.
: “الساقية لسه مدوّرة”، وهو أصدق وصف لما يجري اليوم في السودان. فبعد أن أحرقت الحرب الحالية البلاد وأذاقت أهلها الويلات، ها نحن نشهد استنساخاً جديداً للتجربة الكارثية ذاتها، ولكن بأسماء ولافتات جديدة: ما يُسمى بـ”قوات درع السودان” و”درع الشمال” وغيرهما من المليشيات التي تتكاثر كالفطر، برعاية مباشرة من الكيزان وبقايا النظام البائد، وبتواطؤ مكشوف من قيادة الجيش، وبدفع من دعاة استمرار الحرب.
إن ما يحدث ليس مصادفة عابرة، بل هو استراتيجية خبيثة وممنهجة. فبدلاً من التوجه نحو بناء جيش مهني واحد قومي، يتمدد السرطان المليشياوي ليفرّخ أمراء حرب جدداً، ويصنع مناطق نفوذ مسلحة، ويؤسس لجيوش قبلية وجهوية تتلقى السلاح والتمويل من المطبخ ذاته الذي صنع الدعم السريع. إنها إعادة إنتاج للأزمة بأدوات جديدة، وضمان مؤكد لاستمرار الحرب إلى ما لا نهاية.

إن خطورة هذا المسار على حاضر الوطن ومستقبله كارثية بكل المقاييس:

أولاً: على مستوى الحاضر: يعني هذا التكاثر المليشياوي إطالة أمد الحرب وتوسيع رقعتها الجغرافية، وتحويلها من صراع بين طرفين إلى حرب الكل ضد الكل. كما يعني مزيداً من القتل والتشريد والنهب، وانهيار شامل ، وتأجيج خطاب الكراهية القبلية والجهوية.

ثانياً: على مستوى المستقبل: يكمن الخطر الأكبر في أن هذه المليشيات تنسف أي أمل في بناء دولة مدنية ديمقراطية. فكيف يمكن إجراء انتخابات حرة، أو تحقيق عدالة انتقالية، أو بناء اقتصاد معافى في ظل عشرات الجيوش المتفلتة؟ إنها وصفة جاهزة لتقسيم السودان وتفتيته إلى دويلات متناحرة على غرار الصومال وليبيا، وارتهان القرار الوطني لعصابات السلاح.

إن الرعاة الحقيقيين لهذه المليشيات – من الكيزان وقيادة الجيش ودعاة الحرب – لا يريدون وطناً آمناً، بل يريدون سلطة تحرسها البنادق المأجورة. وهم يدركون جيداً أن أي تحول مدني ديمقراطي حقيقي يعني نهايتهم الحتمية ومحاسبتهم على جرائمهم، لذلك يزرعون هذه الألغام البشرية في طريق المستقبل لقطع الطريق عليه.

إن الطريق إلى الخلاص يبدأ بتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية: لا شرعية لأي مليشيا مهما كان اسمها أو غطاؤها. ويجب أن يكون المطلب الوطني الجامع واضحاً لا لبس فيه: حل جميع المليشيات دون استثناء، والوقف الفوري للحرب، وبناء جيش مهني واحد لا يتدخل في السياسة. وما عدا ذلك فهو حرث في البحر، وستظل الساقية مدوّرة تطحن أبناء السودان إلى الأبد.ولايصح الا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة