أعمدة ومقالات

من لعبة الأمم الى الغرف المغلقة..!! هل تطبخ واشنطن اليوم التالي للحرب في السودان؟

بقلم: أحمد عثمان محمد المبارك

عندما اطلعت على مقال الكاتب أحمد عثمان جبريل بعنوان (واشنطن.. تطبخ إنهاء حرب السودان أم ما بعدها؟)، قفزت إلى ذهني تلقائياً صفحات كتاب (لعبة الأمم) الذي ألّفه ضابط الاستخبارات المركزية الأمريكية الأسبق (مايلز كوبلاند) في أواخر ستينيات القرن الماضي؛ ذلك العمل الذي كشف بجرأة كيف تدير القوى العظمى رقعة الشطرنج الدولية عبر صعود وسقوط الأنظمة، وصناعة الزعاماء، وإدارة الأزمات وفق حسابات المصالح الاستراتيجية الباردة وليس المبادئ الأخلاقية…
إن استدعاء أحمد عثمان جبريل لمؤتمر بريتون وودز عام 1944 أو (وثيقة النسب) الشهيرة بين تشرشل وستالين حول اقتسام البلقان، يلتقي تماماً مع جوهر ما سمّاه كوبلاند (قواعد اللعبة)، حيث لا تُترك نهايات الصراعات الكبرى لنتائج الميدان وحدها، بل تُصاغ خرائط ما بعد ايقاف الحرب بينما لا تزال المدافع تدوي في الجبهات.

ومنذ الحقبة التي وثّقها كوبلاند وحتى اليوم؛
​طرأ تحول بنيوي عميق على السياسة الخارجية الأمريكية، ففي زمن الحرب الباردة، كانت واشنطن تفضل الانقلابات العسكرية السريعة، وصناعة (الرجل القوي) المستبد لضمان كبح المد الشيوعي وحفظ الاستقرار الفردي المباشر.. أما اليوم، وفي عالم ما بعد الحرب الباردة وتشابك الحروب الهجينة، لم تعد إزاحة القادة أو استبدالهم تتم عبر ضباط استخبارات في شقق سرية فقط، بل أصبحت هندسة النفوذ تعتمد على ترسانة من الأدوات المركبة، مثل العقوبات المالية، وتتبع شبكات التمويل والتسليح، وتجفيف مسارات الذهب غير المشروعة، والعمل عبر تحالفات دولية وإقليمية واسعة، واستثمار مفاهيم (التحول المدني) وإعادة الإعمار لبناء بيئة حكم جديدة منزوعة الأنياب العسكرية ودون التورط في احتلال بري مباشر، لينقل التدخل الخارجي من صيغة (صناعة الزعيم) إلى صيغة (إعادة صياغة الدولة برمتها).

و​من خلال هذا المنظور التاريخي والتحليلي، تتكشف إجابات للتساؤلات المشروعة التي طرحها احمد عثمان جبريل في مقاله؛ فالإحاطة الاستخباراتية شديدة السرية داخل الكونغرس، ومعه مشروع قانون السلام في السودان، ليسا مجرد متابعة روتينية أو تفاعل عاطفي مع الكارثة الإنسانية، بل هما المرحلة التمهيدية الأساسية لما وصفه كوبلاند برسم موازين القوى وتحديد أوراق الضغط الفعالة. وواشنطن الأن تتعقب أدق تفاصيل التسليح وشبكات الذهب ومسارات الدعم الإقليمي، ليس فقط لإطفاء الحريق في الخنادق، وانما للسيطرة على محابس الإمداد ومفاتيح التمويل التي تجعل من إشعال الحرب مجدداً أمراً مستحيلاً أو باهظ الكلفة، ولإجبار الأطراف على الانصياع لمعادلة ما بعد الحرب.

​وعندما يتحدث المسؤولون الأمريكيون عن استبعاد الجنرالين البرهان وحميدتي من المستقبل السياسي والدفع نحو حكم مدني، فإن ذلك يفسر بدقة طبيعة (اليوم التالي) للحرب في الحسابات الأمريكية، فالقيادات العسكرية الحالية استنفدت وظيفتها وباتت تصنَّف كمهدد رئيسي للأمن الإقليمي وممرات البحر الأحمر، ما يجعل الاستمرار معها عبئاً جيوسياسياً. غير أن هذا الانتقال المدني المطروح دولياً لا يعكس بالضرورة انتصاراً تلقائياً للإرادة الشعبية الصافية، بل قد يعبر عن رغبة غربية في إحلال سلطة تكنوقراطية خاضعة للمنظومة المالية الدولية ولشروط مؤسسات إعادة الإعمار، تماماً كما خططت دول التحالف في بريتون وودز لإدماج اقتصادات ما بعد الحرب تحت مظلة واحدة تقودها واشنطن.

لذلك ف​إن الإجابة عن التساؤل الحاسم الذي طرحه احمد عثمان جبريل (من يطبخ؟ ومن يحدد المكونات؟ ومن يجلس إلى المائدة؟) يعيدنا إلى صلب (لعبة الأمم) ولكن بوعي الحاضر؛ فالأيدي الخارجية، بإحاطاتها المغلقة وشبكات ضغوطها، تضع بالفعل الوصفة التي تناسب مصالحها الجيوسياسية في السودان وجواره.. إلا أن الدرس الأكبر من التاريخ ومن صفحات كوبلاند هو أن هذه المخططات الخارجية، مهما بدت محكمة وراء الأبواب الموصدة، تظل عاجزة وهشة أمام تعقيدات الداخل إذا ما استيقظ أصحاب الأرض، فالسودان لا يتحول إلى مائدة يتقاسمها الآخرون إلا حين تتخلى قواه الوطنية عن مسؤوليتها وتغرق في الاقتتال والتبعية. وقطع الطريق على (ورقة تشرشل وستالين) الجديدة لا يكون بانتظار ما ستسفر عنه أروقة واشنطن المغلقة، بل عندما نمتلك نحن السودانيين زمام المبادرة لتقرير شكل دولتنا وجيشها واقتصادها، قبل أن يُرفع الغطاء عن وجبة لم نشارك في طهيها..

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة