أعمدة ومقالات

وقل اعملوا

بقلم – عزت خيري

ما عاد أهل السودان يحتاجون إلى من يشرح لهم الحرب. عرفوها في البيوت التي خرجوا منها على عجل، وفي الأهل الذين تفرقت بهم الطرق، وفي انتظار خبر يطمئن القلب فلا يأتي. عرفوها حين صار الوصول إلى الطبيب مشقة، وإطعام الصغار همًّا، والعودة إلى الديار أمنية يُستكثر على أصحابها أن يذكروها.
ولذلك فإن حقهم علينا أكبر من أن نحسن وصف مصابهم. لهم علينا سعيٌ يخفف، وعملٌ يسند، ومثابرةٌ تفتح للسلام طريقاً، ولو بدأ ضيقًا لا يكاد يُرى.
فالموجوع لا ينتظر بلاغة من يقف عند بابه، وإنما ينتظر أن يجد في يده ما يعينه.
وقد آن للقوى الديمقراطية السودانية أن تعطي موقفها الأخلاقي الصحيح عُدَّته من المعرفة والتنظيم وأدوات العصر. أن تحمل قولها إلى مواضع الفعل، وأن تبذل لنصرة المستضعفين ما تقدر عليه، وأن تجعل إنهاء الحرب مهمة تنهض بها كل يوم، في كل مكان تجد فيه سبيلًا إلى العمل.
ذلك أن الموقف الصحيح أمانة، ومن حمل الأمانة لزمه أن يتعهدها. وعدالة القضية تدعونا إلى إحسان خدمتها، وإتقان وسائلها، والصبر على مشقتها. أما أن نطمئن إلى أننا أصحاب الحق، ثم نترك له أن يتدبر أمره وحده بين المصالح والسلاح والضجيج، فذلك اطمئنان لا يسند مظلوماً، ولا يرد غائباً، ولا يفتح طريقاً أغلقته الحرب.
للحق علينا عمل.
وفي معنى النفير الذي نعرفه ما يعيننا على فهم هذا الواجب. يأتي الناس بما عندهم؛ هذا بيده، وذاك بخبرته، وثالث يعرف كيف يجمع الجهد ويوجهه. لا يحمل الواحد منهم العمل كله، ولكن اجتماعهم يجعل ما تعذر على الفرد ممكناً. ولكل يد موضع، ولكل جهد قدره، والعبرة بما يتم للناس من نفع.
وبلادنا اليوم أحوج ما تكون إلى هذا المعنى، وقد اتسع ميدانه باتساع وجود السودانيين في الدنيا.
فمن كان في الداخل يعرف وجع الناس وتفاصيل يومهم، ومن كان في الخارج قد يجد سبيلاً إلى معرفة أو مؤسسة أو منبر يستطيع أن يحمل إليه ذلك الوجع. وبين الاثنين ينبغي أن تقوم صلة لا تنقطع؛ يسمع فيها من ابتعد لمن بقي، ويكون فيها اتساع الفرصة عوناً على من ضاقت به السبل.
وكم بين السودانيين من صاحب علم وخبرة، ومن يعرف لغة بلد إقامته وقوانينه ومؤسساته، ومن يستطيع أن يشرح قضية، أو يصل بين جهتين، أو يدرب شباباً، أو يفتح باباً ظل موصداً لأن أحداً لم يطرقه كما ينبغي.
هذه طاقات آن لها أن تتعارف، وأن تعرف طريقها إلى العمل المشترك.
من استطاع أن يخاطب ممثلاً منتخباً فليفعل. ومن عرف سبيلاً إلى جامعة أو نقابة أو مؤسسة حقوقية أو إعلامية، فليسع فيه. ومن أحسن البحث أو الترجمة أو التوثيق أو التقنية، فليجعل من معرفته نصيباً لأهله. ومن لم تتسع ظروفه إلا للقليل، فليحسن ذلك القليل؛ فقد يكون عند غيره هو الحلقة الناقصة التي يتم بها العمل.
لا تتشابه أحوال الناس، ولا تتساوى الفرص التي بين أيديهم. وفي مراعاة ذلك رحمة وحسن تدبير. ولكن لكل منا أن يسأل نفسه بصدق: ما الذي أستطيعه ولم أبذله بعد؟
ومن تمام هذا السعي أن نعرف العالم الذي نعمل فيه. ففي البلدان التي نقيم فيها مؤسسات لها طرائق في الاستماع واتخاذ القرار، ولغات في عرض القضايا، ومساحات يتيحها القانون للعمل والتأثير. ومعرفة ذلك بعض الواجب على من يريد أن ينفع، شأنها شأن معرفة الطريق لمن خرج يقصد حاجة.
نخاطب الغرب والشرق والجوار بما نريده لشعبنا: حماية المدنيين، وإغاثة المحتاجين، ووقف ما يغذي الحرب، وإسناد حق السودانيين في السلام والحكم المدني. نبني صلاتنا على هذه الغايات، ونحفظ استقلال إرادتنا، ونعرف أن للدول مصالح، وأن إحسان التعامل معها يحتاج إلى بصيرة ومثابرة.
فالعالم لا يصغي كله من تلقاء نفسه، ولا تُفتح أبوابه بمجرد أن تكون حاجتنا عادلة. وربما كان بين قضيتنا ومن يمكن أن ينفعها شرح لم نحسن تقديمه، أو علاقة لم نسع إلى بنائها، أو عمل توقفنا عنه قبل أن يبلغ غايته.
ومن غير الحكمة أن نترك هذه المساحات خالية، ثم نجلس نحصي من دخلها قبلنا.
ولأدوات العصر حقها من الاهتمام. نحتاج إلى البحث الموثق، وإلى حفظ الشهادات، وإلى أوراق سياسات يفهم قارئها المشكلة وما يمكن فعله حيالها. ونحتاج إلى إعلام يعرف كيف يبلغ الناس، وإلى استخدام واعٍ للتقنية والمنصات الرقمية، وإلى من يتابع العمل حتى تكتمل حلقاته.
فقد أحسنّا، في بعض أحوالنا، كتابة البيان حتى كدنا نطالبه بما لا يطيق: أن يُنشر في المساء، فتضع الحرب أوزارها في الصباح!
للبيان مكانه، ومن بعده أبواب تحتاج إلى طرق، وأسئلة تحتاج إلى إجابات، وصلات تحتاج إلى رعاية، ومقترحات تحتاج إلى من يحملها ويتابعها. وذلك عمل هادئ، كثير التفاصيل، قليل التصفيق، ولكنه مما تُبنى به القدرة ويثبت به الأثر.
ومن حسن القيام به أن نستعين بأهل الاختصاص. نتعلم من الباحث كيف تستقيم الحجة، ومن القانوني كيف تُحفظ الحقوق وتُراعى القوانين، ومن أهل الإعلام والمناصرة كيف تصل القضية واضحة إلى من نريد مخاطبته.
لا ينقص من صدق الإنسان أن يتعلم ما لا يعرف، ولا من قدر الجماعة أن تستعين بمن يحسن ما تحتاج إليه. وإنما يليق بأصحاب القضية الكبيرة أن يتواضعوا للمعرفة، وأن يحسنوا الأخذ بالأسباب.
والاستقامة رفيقة هذا الطريق. نصدق فيما ننقل، ونتثبت فيما ننشر، ونحفظ للضحايا كرامتهم، ونعرف أن آلامهم ليست مادة للمبالغة أو موسماً للظهور. وكلما عظمت الغاية، عظم واجبنا في إحسان الوسيلة.
فمن أراد نصرة المظلوم فليصن شهادته، ومن أراد أن يحمل صوت الناس فليحسن الاستماع إليهم، ومن أراد إصلاح شأن عام فليجعل لنصيحة الآخرين موضعًا عنده. وحسن النية يعين صاحبه على قبول التصحيح، ويزيده حرصاً على أن يكون عمله نافعاً.
ثم إن الجهد يحتاج إلى ما يحفظه من الانقطاع. كم من معرفة بقيت عند صاحبها حتى غاب، وكم من صلة انقطعت بانشغال من بناها، وكم من مبادرة طيبة لم تجد من يحملها بعد أن أتعبت مؤسسيها.
ولهذا نحتاج إلى مؤسسات يتسع فيها المكان لغير أصحاب البداية، وتُحفظ فيها الخبرة، ويتعلم فيها القادمون، ويستمر العمل بتغير القائمين عليه. نحتاج إلى البحث والتوثيق والتدريب، وإلى شبكات مهنية ومبادرات مدنية مستقلة، يجتمع فيها السودانيون على نفع بلادهم، وإن اختلفت أحزابهم ومشاربهم.
وللقوى الديمقراطية أن تشجع هذا البناء، وأن ترى في نموه بعض نجاحها. فالمجتمع الذي يملك معرفة وقدرة على التنظيم والمبادرة أقدر على حماية حريته، وأقل تعرضاً لأن يُساق كل مرة إلى المصير نفسه.
وبهذا الجد تكون مواجهة الاستبداد وقوى الحرب والتخريب. نفهم شبكاتها وطرائق عملها، ونوثق ما يستوجب المساءلة، ونكشف التضليل بالحجة، ونبني البدائل التي تحفظ للناس حقوقهم. ونثابر على عمل مدني سلمي، يعيد للشعب قدرته على الاختيار، ويخضع السلاح للقانون، ويجعل الدولة مأمناً لأهلها.
فالخراب الذي صار له تنظيم يحتاج في مواجهته إلى خير يحسن تنظيم نفسه.
ولن يخلو الطريق من اختلاف ولا من أذى. سنجد من ينصحنا فنشكره، ومن يصوب خطأنا فنتعلم منه، ومن يخالفنا فنحاوره. وسنجد كذلك من لا يرضيه أن نعمل، ولا يقترح علينا إلا أن نكف.
وليس من الحكمة أن نعطي هؤلاء أعمارنا.
نجيب حيث تنفع الإجابة، ونوضح حيث يحتاج الأمر إلى توضيح، ثم نمضي فيما ينفع الناس. فلا يصير التخوين باباً لإطفاء الهمم، ولا يصبح الابتزاز صاحب الكلمة في تحديد ما يجوز لأهل الخير أن يبادروا إليه.
فأهلنا الذين أنهكتهم الحرب أولى بوقتنا. والطفل الذي ينتظر العودة إلى مدرسته، والأم التي تريد أن تطمئن على أبنائها، والمريض الذي يلتمس دواءه، لا ينبغي أن يظلوا في آخر جدول أعمالنا، بعد أن نفرغ من الرد على كل صاحب ضجيج.
فلنجدد العزم والنية. وليأخذ كل منا نصيبه من هذا النفير، بحسب قدرته، وفي حدود القانون، وبما يفتح الله له من أبواب المعرفة والعمل. ولنعطِ موقفنا الأخلاقي أدواته الضرورية، حتى يبلغ من حياة الناس ما يرجونه منه.
نرجو بسعينا إلى استجلاب السلام لشعبنا الأجر والثواب، ونسأل الله أن يعيننا على الاستقامة، وأن يطهر عملنا من طلب المكانة، وأن يجعل لنا نصيباً في نصرة المستضعفين وجبر خواطر المنكسرين.
وفي الإصلاح بين الناس وعدٌ كريم:
«وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا».
فلننهض بما نستطيع، ولنتعاهد على إتمام ما بدأناه من خير. لعل الله يجعل على أيدينا بعض الفرج، ويكتب لنا أن نرى أهلنا يعودون إلى ديارهم، وقد أمِنوا على أنفسهم وصغارهم، وصار الليل عندهم وقتاً للراحة، بعد أن طال مقامه وقتاً للخوف.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة