أعمدة ومقالات

معسكر الحرب على خُطى تكميم الأفواه.. وممارسة دور الألفة في الفصل

د/ الأمين بلال مختار
25 أكتوبر 2026
october/26(2026
alaminmukhtar@hotmail.com
إنهم يكررون نفس الفصل الدراسي القبيح الذي حفظناه عن ظهر قلب منذ ثلاثين عاماً. نفس المعلم المستبد، ونفس العصا، ونفس التلميذ المطيع الذي يمارس دور “الألفة” – ذلك الطالب الذي يختاره الأستاذ ليضبط الفصل نيابة عنه، فيكتب أسماء زملائه المتحدثين، ويمنعهم من الكلام، ويتقرب إلى السلطة بوشايته بهم.

هذا بالضبط ما يفعله اليوم معسكر الحرب.

معسكر الحرب، بجناحيه العسكري والإسلاموي، لا يخوض حرباً ضد الدعم السريع فحسب، بل يخوض حرباً أشرس ضد الشعب نفسه، ضد الكلمة الحرة، ضد القلم، ضد أي صوت يجرؤ على قول “لا للحرب”.

أولاً: تكميم الأفواه.. عقيدة المستبد:

منذ 25 أكتوبر 2021، والمقصلة تعمل بلا توقف. إغلاق القنوات، اعتقال الصحفيين، مطاردة لجان المقاومة، تخوين كل من يقول أوقفوا الحرب بأنه عميل وخائن وطابور خامس. أصدر قائد الجيش مراسيم الطوارئ، وفتح معتقلات الاستخبارات العسكرية في بورتسودان وشندي وعطبرة، وأطلق ذبابه الإلكتروني من كتائب الجهاد الإلكتروني لينهش لحم كل صاحب رأي حر.

هم لا يريدون شعباً يفكر، يريدون قطيعاً يصفق. لا يريدون نقاشاً حول من أشعل الحرب ولماذا ضاعت 12 مليون أسرة بين نزوح ولجوء، يريدون تفويضاً أبدياً للقتل. كل من كتب عن فسادهم فهو مرتزق، وكل من طالب بالسلام فهو متآمر، وكل من تحدث عن المجاعة فهو خائن. هذه ليست عقلية دولة، هذه عقلية عصابة تخاف من الكلمة أكثر من خوفها من الرصاصة، لأنها تعلم أن الكلمة تفضحها وتكشف أن حربها ليست حرب كرامة بل حرب بقاء في السلطة.

ثانياً: دور الألفة.. وكلاء القمع وسماسرة الحرب:

والأخطر من المستبد نفسه، هم وكلاء المستبد. أولئك الذين يمارسون دور “الألفة في الفصل”.

تراهم في الإعلام، محللون استراتيجيون وأصحاب أقلام مأجورة، يظهرون على الشاشات ببزات عسكرية مدنية، مهمتهم ليست التحليل بل التبرير. يبررون القصف العشوائي للمدنيين في نيالا والخرطوم، يبررون اعتقال المتطوعين في المطابخ الخيرية، يبررون تجويع الناس ونهب المساعدات باسم السيادة الوطنية.

وتراهم في الإدارات الأهلية المصطنعة التي صنعها المؤتمر الوطني، وفي اللجان الأمنية في الولايات، وفي المساجد التي حولها الكيزان إلى مقرات تعبئة وحشد. مهمتهم كتابة التقارير الأمنية، رصد شباب الثورة، تقسيم المجتمع إلى وطني وخائن، وزرع الفتنة بين المكونات القبلية ليتفرغ المعسكر لنهب الذهب وبيع الموانئ.

هؤلاء هم “الألفة” الذين يضمنون للمعلم المستبد أن يبقى الفصل صامتاً خائفاً، وهم أول من سيقفز من المركب حين يغرق.

ثالثاً: النتيجة الحتمية.. ثلاثية الدم والقمع والفشل:

إن سياسة تكميم الأفواه لا تنتج نصراً، بل تنتج كوارث ثلاث:

مزيد من الدماء: لأن الحرب التي لا يُسمح بنقدها ولا بمراجعة أخطائها تتمدد بلا نهاية. حرب بدأت بزعم القضاء على التمرد في ساعات، فدخلت عامها الثالث وأحرقت الجزيرة وسنار ودارفور، لأن لا أحد يجرؤ داخل المعسكر أن يقول للجنرال إن خطتك فاشلة وإن الحل سياسي.

مزيد من القمع: كل فشل عسكري في الميدان يقابله قمع مدني أكبر في المدن الآمنة. فشلتم في حماية ود مدني، فاعتقلتم شبابها. فشلتم في حماية الفاشر، فاتهمتم أهلها بالخيانة. الفشل يولد جنون المطاردة.

مزيد من الفشل والاستبداد: دولة بلا صحافة حرة، بلا قضاء مستقل، بلا رأي آخر، بلا اقتصاد منتج، هي دولة فاشلة بالضرورة. تدار بالشائعات والأكاذيب وقرارات الغرف المغلقة التي تصدرها الحركة الإسلامية في الظلام ويوقع عليها العسكر في العلن. لا إصلاح اقتصادي بلا سلام، ولا إنتاج بلا استقرار، ولا استقرار مع حكم يرى الشعب عدواً.

إننا نقول لمعسكر الحرب هذا بكل وضوح: لن تستطيعوا تكميم السودان كله. السودان الذي أسقط البشير بصدور عارية، وأسقط ابن عوف بهتاف واحد “تسقط بس”، وأسقط حميدتي من شاشات التلفزيون بعد أن كان بطلاً، قادر على إسقاط سردية الحرب هذه أيضاً.

فالشعوب قد تُهزم في معركة، لكنها لا تُهزم حين تمتلك الكلمة والوعي. وأنتم تخافون الكلمة لأنها تعريكم، تكشف أنكم لا تحاربون من أجل الوطن، بل تحاربون من أجل البقاء في السلطة، ولو كان الثمن أن يموت كل السودانيين جوعاً وقصفاً ونزوحاً.

وليعلم الألفة قبل المعلم، أن الفصل سينتفض يوماً، وأن دفتر الحضور سيُقلب، ولن تنفع حينها دفاتر الوشاية ولا بيانات التخوين.

وسيبقى السودان أكبر منكم جميعاً، ولا يصح إلا الصحيح.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة