أعمدة ومقالات

عثمان ميرغني ومبادرة الرباعية: هل الهدنة مدخل لتقسيم السودان أم فرصة لإنهاء الحرب؟ بين الترويج للجنة تهيئة الحوار ورفض المبادرة الدولية.. قراءة نقدية في تصريحات عثمان ميرغني بقناة الحدث

بقلم السفير الصادق المقلي.

( B )

ثالثاً: هل الهدنة تعني إعادة إنتاج السيناريو الليبي؟
أخطر ما في طرح عثمان ميرغني هو تحذيره من أن الهدنة قد تؤدي إلى إعادة إنتاج السيناريو الليبي، وتكريس وجود سلطتين في السودان، وربما تمهد لتقسيم جغرافي يهدد وحدة البلاد وسلامة أراضيها.
وقد أشار إلى مخاوف تتعلق بفرض أمر واقع على الأرض، في ظل غياب ضمانات أمريكية تحول دون أن تصبح الهدنة مدخلاً إلى تقسيم السودان أو الاعتراف بكيانات موازية للحكومة السودانية.
لا أحد يستطيع إنكار أن مخاطر الانقسام وتعدد مراكز السلطة تستحق نقاشاً جاداً، وأن أي ترتيبات لوقف الحرب ينبغي أن تراعي وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه.
لكن الاعتراف بوجود مخاطر محتملة شيء، والقول إن الهدنة المقترحة ستؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج السيناريو الليبي شيء آخر تماماً.
فما الأدلة التي يستند إليها عثمان ميرغني في الجزم بأن الهدنة ستؤدي إلى تقسيم السودان؟ وأين النصوص أو التفاهمات المعلنة التي تثبت أن المبادرة تستهدف تكريس وجود حكومتين أو الاعتراف بسلطات موازية؟
إن التحذير من المخاطر مشروع، لكن تحويل الاحتمالات إلى حقائق مؤكدة، من دون تقديم أدلة كافية، يجعل الخطاب أقرب إلى بناء سردية سياسية قائمة على التخويف من المبادرة، بدلاً من مناقشة بنودها وضماناتها بصورة موضوعية.
والأكثر إثارة للتساؤل هو حديث عثمان ميرغني عن شروط وضمانات يقول إن الحكومة السودانية تتمسك بها، أو ينبغي أن تتمسك بها، لمنع تكرار السيناريو الليبي.
فهل قدمت الحكومة السودانية بالفعل هذه الشروط إلى الأطراف المعنية؟ وهل أعلنت رسمياً طلب ضمانات محددة على النحو الذي أورده عثمان ميرغني؟
بحسب ما يستند إليه هذا المقال، لا تتوافر أدلة معلنة كافية تثبت أن الحكومة تقدمت بهذه المطالب المحددة بالصورة التي عرضها. ولذلك لا يصح التعامل مع تلك الشروط باعتبارها موقفاً رسمياً ثابتاً للحكومة ما لم تؤيده تصريحات أو وثائق موثقة.
أما الموقف الحكومي المعلن من التسوية، فقد ارتبط بشروط مسبقة يراها منتقدوها أقرب إلى مطالبة الدعم السريع بالاستسلام، وهي شروط لم تحظَ بقبول الطرف الآخر، ولم تتحول إلى أساس متفق عليه للحل لدى الأطراف الدولية والإقليمية.
ومن هنا يصبح من الضروري التمييز بين الموقف الرسمي للحكومة، والتحليلات التي يقدمها المعلقون بشأن ما ينبغي أن يكون عليه ذلك الموقف.
رابعاً: هل قرأ عثمان ميرغني تصريحات الخريجي كاملة؟
.
إن قراءة تصريحات نائب وزير الخارجية السعودي، المهندس وليد الخريجي، في اجتماع جنيف، لا ينبغي أن تتوقف عند الجزء المتعلق بوحدة السودان وسيادته ورفض إنشاء مؤسسات موازية.
فهذا الموقف، في جوهره، ليس حكراً على المملكة العربية السعودية، بل يتسق مع مواقف معلنة لدول أخرى، من بينها مصر، بشأن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض المساس بسيادته.
لكن تصريحات الخريجي تضمنت أيضاً تأكيد دعم المملكة للجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وتحقيق السلام.
وهنا تكمن أهمية قراءة التصريحات في سياقها الكامل، بدلاً من اقتطاع جانب منها والاستناد إليه لتدعيم استنتاج سياسي مسبق.
فالتأكيد على وحدة السودان لا يتناقض مع دعم الهدنة، كما أن رفض الكيانات الموازية لا يعني رفض المبادرات التي تستهدف وقف الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
بل إن الجمع بين الموقفين هو ما ينبغي أن تقوم عليه أي مقاربة جادة: وقف القتال، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة الدولة، ورفض تكريس الانقسام، وإطلاق عملية سياسية شاملة.
وإذا كانت السعودية تؤكد وحدة السودان، وتدعم في الوقت نفسه وقف إطلاق النار، وكانت مصر تتمسك بسيادة السودان وسلامة أراضيه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن الجزم بأن مشاركة الدولتين في الرباعية تستهدف إعادة إنتاج السيناريو الليبي؟
إن مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى مجرد افتراضات.
فهل يُعقل أن تكون الرياض والقاهرة جزءاً من مؤامرة لتقسيم السودان، بينما تعلنان مواقف تدعم وحدته وسيادته وسلامة أراضيه؟
هذا سؤال مشروع في مواجهة السردية التي يطرحها عثمان ميرغني، لكنه لا يُحسم بالاستنكار وحده؛ وإنما بفحص الوثائق والمواقف المعلنة ومضامين المبادرة نفسها.
خامساً: الفصل بين المسارين العسكري والسياسي.. أين تكمن المشكلة؟

من الملاحظ في خطاب عثمان ميرغني إصراره على تقديم الحوار السياسي باعتباره المدخل الأساسي للحل، مع التعامل مع المسار العسكري ووقف إطلاق النار باعتبارهما مسألة منفصلة، أو أمراً واقعاً لا يمكن التعويل على تغييره قبل التوصل إلى تسوية سياسية.
وفي حديثه عن استمرار الحرب رغم الكارثة الإنسانية، وصف القتال بأنه «أمر واقع».
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن إطلاق عملية سياسية جادة في ظل استمرار الحرب، واتساع الكارثة الإنسانية، وانعدام الحد الأدنى من الأمن الذي يسمح للقوى السياسية والمجتمعية بالمشاركة بحرية؟
إن وصف الحرب بأنها أمر واقع لا يقدم حلاً، بل يثير التساؤل حول ما إذا كان هذا الخطاب يتعامل مع استمرار القتال باعتباره حقيقة ينبغي التكيف معها، بدلاً من العمل على إنهائها.
فالحرب ليست مجرد واقع سياسي قائم، وإنما كارثة إنسانية وأمنية واقتصادية تتطلب تدخلاً عاجلاً لوقف نزيف الدم، وتأمين وصول المساعدات، وحماية المدنيين.
ولا يعني ذلك أن وقف إطلاق النار وحده كافٍ لتحقيق السلام، أو أن الحوار السياسي يمكن الاستغناء عنه. بل إن المسارين العسكري والسياسي متكاملان، ولا غنى عن أي منهما.
فالهدنة تتيح الظروف اللازمة للعمل السياسي، والحوار الشامل يعالج جذور الأزمة ويحدد شكل الدولة وترتيبات الانتقال، بينما توفر الترتيبات الأمنية الضمانات اللازمة لمنع تجدد الحرب.
ولهذا فإن المبادرة التي تجمع بين الهدنة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والحوار السوداني الشامل، والترتيبات الأمنية، والحكومة الانتقالية، تبدو أكثر تكاملاً من أي مقاربة تركز على المسار السياسي وحده، من دون أن تقدم تصوراً عملياً لوقف القتال.
وإذا كان عثمان ميرغني يرفض فصل السودان عن إرادته الوطنية، فإن السؤال المقابل هو: كيف تتحقق هذه الإرادة في ظل استمرار الحرب، وغياب الضمانات الأمنية، واستبعاد قطاعات من القوى السياسية والمجتمعية من أي حوار شامل؟
إن الحوار لا ينبغي أن يكون غطاءً لاستمرار الحرب، كما لا ينبغي أن تصبح الهدنة بديلاً عن التسوية السياسية. المطلوب هو مساران متوازيان ومتكاملان، يفضي كل منهما إلى إنجاح الآخر.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة