أعمدة ومقالات

حدث بالفعل

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول :
قد تكون الشمس أشرقت بداخلك، ولكنك اخترت أن تكون في الاتجاه الذي لا يتسلل منه الضوء!!

ولا يمكن أن يتقدم الفريق عبد الفتاح البرهان بعرضه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين دون أن تكشف هذه الخطوة أخطر ما سبقها ومن تحول إقليمي .
وأهم ما يتجلى هو أن البرهان وحكومته خسروا المملكة العربية السعودية ليس بعد الخطوة الروسية، ولكن ما قبل ذلك؛ إذ إن لجوء البرهان لروسيا تم بعد أن أفلتت السعودية يدها، سيما أنها كانت تسيطر على الموقف السياسي وذلك عبر دعمها السخي للحكومة ولميدان الحرب.
فاتجهت حكومة البرهان إلى روسيا بعد التقارب الأمريكي السعودي، وكنا من قبل تحدثنا أن ترميم السعودية لعلاقاتها مع أمريكا بعد حالة جفاء سياسي استمرت لشهور ماضية سيكون له أثر كبير في تغير الموقف السوداني. لذلك، فإن اجتماع وزير الخارجية السعودي بمساعد بولس عمل على ذوبان الجليد بين الدولتين.
وربما لعبت الإمارات دور الوسيط بين واشنطن والرياض، سيما أن التواصل والاتصال كان مكثفاً بين أبوظبي والرياض في أكتوبر بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان.
وبعدها تم اللقاء بين وزير الخارجية السعودي ومستشار ترامب، في اللقاء الذي وصفه بولس بالمثمر، وهو الذي حضره وزير الخارجية الإماراتي. ومن واشنطن أعلن وزير الخارجية السعودي أنهم اتفقوا مع الولايات المتحدة الأمريكية نحو هدنة ووقف لإطلاق النار.
ويبدو أن اللقاء أعاد الرياض إلى مقعد الوسيط الذي لا تحبذه الحكومة السودانية؛ فهذه العودة كان سيكون لها أثر كبير على الميدان، وكان البرهان سيوافق على الهدنة، لولا تعرضه لضغوط الإسلاميين الذين نصحوه بعدم الاستجابة للضغوط الأمريكية والاستعانة بروسيا.
فالبرهان لم يخسر السعودية خسارة سياسية فحسب، بل دفَعته الحماقة للمطالبة بقاعدة روسية على العلن، الأمر الذي يعلم أنه يأتي دون رغبة الرياض، لكن البرهان صرح بهذا الحديث جهراً نكايةً في أمريكا والسعودية معاً.
وخسارة المحور السعودي كأمر حدث بالفعل قبل زيارته لروسيا تعني أنه وبعد الزيارة سقوط الغطاء الاستراتيجي، إذ أن الرياض كانت تمثل في الفترة الأخيرة ركيزة أساسية عبر حزم الدعم الاقتصادي والسياسي السخي. فالتحول الإقليمي والدولي يبدأ بالتقارب الأمريكي السعودي الأخير، ولو استعاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دور الوسيط الفاعل، فهو بلا شك سيعيد ترتيب أولويات المنطقة نحو الدفع إلى سلام؛ وهذا ما جعل البرهان يتجه نحو خيار الورقة الروسية كمحاولة لكسر العزلة، وتأمين دعم عسكري أو سياسي يعوض الفراغ الناتج عن تراجع الدعم الخليجي والسعودي، ويمنح الجيش ورقة ضغط ميدانية جديدة.
وبالرغم من أن ورقة موسكو يعتبرها الكيزان طوق نجاة، إلا أنهم يجهلون أنها مراهنة محفوفة بالمخاطر؛ فمقايضة المصالح تقوم على أن روسيا ستتعامل بحذر شديد مع الملف السوداني لعدم رغبتها في حرق مراكبها مع الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى كالسعودية وأمريكا.
وفقدان التوازن سيأتي بعدم تلبية روسيا للطموحات السودانية بالشكل الكافي، مما يعني ارتداد البرهان إلى نقطة الصفر، ولكن بوضع أضعف بكثير مما سبق؛ لأنه لن يعود إلى مكانه الطبيعي، بل إلى موقع رملي متحرك الثبات فيه شبه مستحيل؛ لأنه حاول تعويض خسارة حليف استراتيجي بحجم السعودية عبر رهان خارجي قد لا يأتي بنتائج مرجوة. وهذا هو مأزق البرهان الذي يضعه بين ثمن “الشراكة الكبرى” غير المضمونة وخسارة الحلفاء التقليديين.
فالجنرال سيجد نفسه لم يستجب للضغوط الأمريكية التي تسعى للوصول إلى تسوية وحفظ ما يمكن حفظه، ولا هو كسب حليفاً دولياً جديداً (روسيا) يعوضه ميدانياً. فهذا التخبط هو ما يتركه مكشوفاً أمام ضغوط ميدانية ودبلوماسية متزايدة لا تحتملها بنية الجيش الحالية.
طيف أخير :
#لا_للحرب
أدانت جمهورية مصر العربية أمس تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة ضد المنشآت المدنية والحيوية في السودان، وما تسفر عنه من سقوط ضحايا أبرياء بين المدنيين واستهداف للبنية التحتية، معتبرة ذلك انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.
لكن مصر عندما قتل طيرانها المعدّنين السودانيين، ألم ترَ أن ذلك كان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي!!

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة