أعمدة ومقالات

حتى روسيا يا برهان.. لا شراكة استراتيجية بلا سلام، ولا امتيازات بلا شرعية


من الذهب إلى البحر الأحمر.. أسئلة الاستثمار والسيادة والشرعية الدستورية في ظل الحرب السودانية

الحلقة الأولى

بقلم السفير الصادق المقلي

( B )

خامساً: الذهب والبحر الأحمر.. ماذا عرض البرهان على بوتين، وبأي صلاحيات؟

لم تكن زيارة البرهان إلى موسكو مجرد مناسبة لتأكيد متانة العلاقات الثنائية، فقد حملت معها عروضاً تتجاوز التعاون الدبلوماسي التقليدي إلى ملفات اقتصادية واستراتيجية شديدة الحساسية.
فبحسب ما نقلته وكالة «تاس» الروسية وأوردته وسائل إعلام، عرض البرهان إتاحة فرص استثمارية للشركات الروسية في قطاعات الذهب والنحاس والمعادن الأخرى، كما اقترح إنشاء منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، يمكن أن تستفيد منها روسيا في إقامة منشآت لتخزين الوقود والقمح، إلى جانب دعوة الشركات الروسية للمشاركة في تطوير البنية التحتية لشبكة السكك الحديدية السودانية.
وتحدثت التقارير عن استعداد السودان لإتاحة مواقع للاستثمار في قطاع التعدين، وعن إمكانية إقامة منشآت تخزين وخدمات لوجستية على ساحل البحر الأحمر. كما أبدى بوتين استعداد موسكو لتوسيع التعاون مع الخرطوم في مجالات مختلفة.
لكن من المهم التمييز بين عرض فرص الاستثمار والتوصل إلى اتفاقيات نهائية ملزمة. فالتصريحات المنشورة عن اللقاء لا تعني، في حد ذاتها، أن عقوداً نهائية بشأن مواقع التعدين أو المنطقة الاقتصادية الحرة قد أُبرمت، أو أن الامتيازات قد مُنحت وأصبحت نافذة.
وهنا يبرز السؤال القانوني والسياسي: ما حدود صلاحيات البرهان في تقديم مثل هذه العروض؟ وهل يملك، بصفته رئيس مجلس السيادة، أن يقرر منفرداً منح امتيازات تعدين أو تخصيص أراضٍ ساحلية لمشروعات استثمارية أجنبية؟ أم أن الأمر يتطلب إجراءات وقرارات تصدر عن مؤسسات الدولة المختصة، وفق القوانين المنظمة للتعدين والاستثمار والمناطق الحرة؟
فالفرق كبير بين أن يعرض رئيس الدولة فرصاً استثمارية على شريك أجنبي، وهو أمر يدخل في إطار الترويج السياسي والاقتصادي، وبين أن يبرم اتفاقيات ملزمة أو يمنح حقوقاً وامتيازات طويلة الأجل تمس الموارد الطبيعية والأراضي والمواقع الاستراتيجية.
فقانون تنمية الثروة المعدنية والتعدين لسنة 2015 يجعل الثروات المعدنية ملكاً للدولة، وينظم إجراءات البحث والاستكشاف والتراخيص والعقود. كما أن قانون المناطق والأسواق الحرة لسنة 2009 ينص على أن إنشاء المنطقة الحرة يتم بقرار من مجلس الوزراء بناءً على توصية المجلس المختص، مع تحديد موقعها وحدودها.
أما من الناحية الدستورية، فإن الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية المعدلة سنة 2025 تجعل مجلس السيادة رأس الدولة، لكنها تسند المصادقة على الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والإقليمية والدولية إلى السلطة التشريعية الانتقالية. وإلى حين تشكيل المجلس التشريعي، تمارس هذه الاختصاصات وفق الآلية المشتركة المنصوص عليها في الوثيقة بين مجلسي السيادة والوزراء.
وبالتالي، فإن تقديم عرض سياسي أو إعلان الاستعداد للتعاون لا يساوي امتلاك صلاحية منح الامتيازات أو إبرام كل الاتفاقيات بصورة منفردة. كما ينبغي التمييز بين العقود الاستثمارية والإدارية المحلية وبين الاتفاقيات الدولية، لأن لكل منها طبيعتها وإجراءاتها القانونية.
ولا يقل أهمية عن ذلك السؤال المتعلق بطبيعة المنطقة الاقتصادية المقترحة: هل نتحدث عن منطقة تجارية ولوجستية لتخزين الوقود والقمح وخدمة حركة التجارة، أم عن ترتيبات تمنح روسيا حقوقاً خاصة في إدارة الموقع أو استخدامه؟ وهل تقتصر طبيعة المشروع على النشاط الاقتصادي المدني، أم يمكن أن تتداخل معه ترتيبات أمنية أو عسكرية؟
لا توجد، في حدود المعلومات المعلنة عن اللقاء، أدلة كافية للجزم بأن المقترح يتضمن اتفاقاً على قاعدة عسكرية أو امتياز أمني. لكن حساسية الموقع الجغرافي تفرض قدراً عالياً من الشفافية في تحديد طبيعة المشروع وشروطه، والحقوق التي ستُمنح للجهات المستثمرة.
فالبحر الأحمر ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن التعامل معها باعتبارها أرضاً استثمارية عادية؛ إنه ممر بحري دولي بالغ الأهمية، تتقاطع حوله مصالح إقليمية ودولية، وترتبط به حسابات أمن الملاحة والتجارة والطاقة.
ومن هنا يبرز سؤالان: هل يريد السودان منطقة اقتصادية حرة روسية على البحر الأحمر، أم أنه قد يفتح الباب أمام موطئ قدم استراتيجي لموسكو على أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟ وهل تستطيع الدولة السودانية، في ظل استمرار الحرب واضطراب مؤسساتها، تحمل تبعات تحويل ساحلها إلى ساحة تنافس بين القوى الدولية؟
سادساً: هل تستطيع روسيا فعلاً تنفيذ مشروع استراتيجي في السودان؟
ينبغي ألا نحصر النقاش في رغبة موسكو أو عدم رغبتها في الاستثمار بالسودان، بل ينبغي أن نطرح سؤالاً موازياً يتعلق بقدرتها الفعلية على التنفيذ والتمويل.
لا شك أن روسيا تمتلك شركات وخبرات في مجالات التعدين والطاقة والنقل والبنية التحتية، كما أن لديها مصالح استراتيجية في أفريقيا. لكنها تواجه في المقابل تداعيات العقوبات الغربية، وتعقيدات التمويل والتحويلات المصرفية والتأمين ونقل التكنولوجيا، فضلاً عن الأولويات الاقتصادية والعسكرية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.
وهنا ينبغي التمييز بين إبداء الاهتمام السياسي والاستراتيجي بمشروع ما، وبين القدرة على تمويله وتنفيذه وفق جداول زمنية واضحة. فالإعلان عن فرص استثمارية في الذهب والنحاس والمعادن الأخرى، أو عن منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، لا يعني بالضرورة أن التمويل قد تأمّن، أو أن الشركات المعنية أبرمت عقوداً ملزمة، أو أن دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية قد اكتملت.
كما أن أي شركة روسية، شأنها شأن الشركات من الدول الأخرى، ستحتاج إلى ضمانات تتعلق بالأمن وحقوق الملكية وتحويل الأرباح واستقرار العقود وإمكانية الوصول إلى الأسواق والتمويل.
ولا يقل أهمية عن ذلك السؤال المتعلق بطبيعة المقابل الذي قد تطلبه موسكو لقاء استثماراتها أو دعمها السياسي. فهل ستكون العلاقة قائمة على شراكات اقتصادية وتجارية تخضع للقوانين السودانية ومبدأ المصالح المتبادلة، أم ستتجاوز ذلك إلى ترتيبات تمنح روسيا امتيازات طويلة الأجل في قطاعات حيوية أو مواقع ذات أهمية جيوسياسية؟
هذه أسئلة مشروعة ينبغي أن تُطرح في إطار الشفافية، من دون افتراض وجود صفقة عسكرية أو أمنية لم تُكشف تفاصيلها.
وفي نهاية المطاف، فإن قدرة روسيا على الاستثمار في السودان لا تتوقف على امتلاكها الخبرة أو الرغبة السياسية فحسب، بل ترتبط أيضاً بقدرتها على توفير التمويل والتكنولوجيا والتأمين، وبمدى توافر بيئة سودانية مستقرة وآمنة.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة