أعمدة ومقالات

حتى روسيا يا برهان.. لا شراكة استراتيجية بلا سلام، ولا امتيازات بلا شرعية الحلقة الثانية

الحلقة الثانية

بقلم السفير الصادق المقلي

( c )

سادساً: موسكو.. هل قدمت للسودان ما يحتاج إليه في زمن الحرب؟
من الإنصاف ألا نقارن روسيا بغيرها من دون النظر إلى سجل قممها مع أفريقيا.
ففي قمة سوتشي عام 2019، أعلنت روسيا اتفاقات تجارية واستثمارية قُدرت بنحو 12.5 مليار دولار. وفي قمة 2023، أعلنت موسكو إعفاء ديون أفريقية بنحو 23 مليار دولار، إلى جانب مساعدات وتعاون في مجال إمدادات القمح والطاقة والتعدين والتعليم والصحة.
وهذه تعهدات ينبغي أخذها في الاعتبار، مع التمييز بين إعفاء الديون وضخ تمويل جديد، وبين اتفاقات التجارة والاستثمار والمساعدات المباشرة.
أما قمة موسكو في أكتوبر 2026، فقد ركزت على توسيع التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، والتجارة والطاقة والتعدين والنقل والزراعة، كما عرضت روسيا استعدادها لتوسيع التعاون في مجالات البنية التحتية ونقل التكنولوجيا وإمدادات الحبوب والأسمدة.
لكن السؤال السوداني يظل قائماً: ما الذي عاد به السودان من هذه القمة في صورة التزامات محددة لإعادة الإعمار؟
لقد عرض البرهان فرص الاستثمار في الذهب والمعادن والسكك الحديدية والمنطقة الاقتصادية الحرة على البحر الأحمر. وهذه ملفات مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن احتياجات السودان العاجلة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والزراعة وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
كما أن ما أعلنه بوتين في لقائه بالبرهان من تأكيد دعم إنهاء العمليات العسكرية والتوصل إلى تسوية سياسية، لا ينبغي قراءته باعتباره مجاملة دبلوماسية عابرة. فقد ربط الرئيس الروسي حديثه عن الاستقرار وإمكان توسيع التعاون مع السودان بضرورة إنهاء الحرب والوصول إلى تسوية سياسية.
ولعل هذه هي الرسالة العملية الأهم في اللقاء: لا يمكن بناء شراكة اقتصادية واستثمارية طويلة الأجل في بلد لا يزال يعيش حرباً مفتوحة، ولا يمكن ضمان منشأة كهرباء أو مشروع مياه أو استثمار تعديني أو بنية تحتية إذا كانت البيئة الأمنية والسياسية لا تسمح بحمايتها واستمرارها.
وهذا هو المعنى الذي عبر عنه موقف البنك الدولي في مثال محطة الكهرباء: التمويل لا ينفصل عن الأمن، والتنمية لا تنفصل عن السلام.
: ليست القضية غرباً أم شرقاً.. بل من يمول تنمية السودان؟
إن المقارنة بين قمم الشراكة الأفريقية مع الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي وإيطاليا وفرنسا وروسيا لا ينبغي أن تتحول إلى مفاضلة سياسية أو انحياز لمعسكر دولي ضد آخر.
فلكل قوة دولية مصالحها وأولوياتها وشروطها، ولكل شراكة ما لها وما عليها. كما أن التعهدات الغربية لا تعني بالضرورة أنها أكثر سخاءً أو أنها تنفذ جميع وعودها، ولا تعني التعهدات الروسية أن موسكو قادرة وحدها على تمويل إعادة إعمار السودان.
لكن ما تكشفه هذه المقارنة هو أن أفريقيا أصبحت ساحة تنافس على التمويل والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والموارد الطبيعية. والدول التي تمتلك مؤسسات مستقرة ورؤية تنموية واضحة تستطيع التفاوض مع الشركاء الدوليين وتحويل هذا التنافس إلى مكاسب وطنية.
أما السودان، فقد وجد نفسه خارج عدد من هذه المسارات بسبب أزماته السياسية، ثم أصبح أكثر عزلة بسبب الحرب. وفي الوقت الذي تتنافس فيه الدول على جذب التمويل لمشروعات الكهرباء والمياه والنقل والزراعة، ينشغل السودان بحماية ما تبقى من بنيته التحتية، وبمحاولة وقف تدمير مؤسساته وموارده.
إن السودان لا يحتاج إلى شريك يبحث عن الذهب والمعادن والموانئ فحسب؛ بل يحتاج إلى شراكات تمول إعادة بناء الدولة والاقتصاد، وتعيد الكهرباء إلى المدن والقرى، والمياه إلى البيوت والمزارع، والقطارات إلى السكك الحديدية، والطلاب إلى المدارس، والمرضى إلى المستشفيات.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك من دون وقف الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وبناء سلطة شرعية قادرة على التفاوض باسم الشعب، وتقديم مشروعات وطنية شفافة، ومحاسبة من يتصرف في الموارد العامة والثروات الوطنية.
الخلاصة أن السودان لم يخسر فقط مقعداً في قمة أو دعوة إلى مؤتمر؛ لقد خسر سنوات من فرص التنمية، ومليارات من التمويل والاستثمار المحتمل، وموارد كان يمكن أن تسهم في بناء مستقبله.
ومن هنا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى السلطة في الخرطوم، وإلى كل من يفاوض باسم السودان في موسكو أو واشنطن أو بروكسل أو طوكيو، هي أن وقف الحرب ليس مجرد مطلب سياسي أو إنساني؛ إنه شرط اقتصادي وتنموي لا غنى عنه.
فلا استثمار بلا أمن، ولا تمويل تنموي مستدام بلا استقرار، ولا شراكة استراتيجية حقيقية في غياب دولة قادرة على حمايةالمشروعات

وصيانة الاتفاقات وضمان أن تعود ثمارها على مواطنيها.
لقد آن للسودان أن ينتقل من حضور القمم بحثاً عن الاعتراف السياسي، إلى حضورها حاملاً مشروعاً وطنياً للتنمية والإعمار. فالعالم لا ينتظر السودان إلى ما لا نهاية، والفرص التي تضيع اليوم قد لا تعود بالشروط نفسها غداً.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة