عند ساعة الحقيقة، لا مهرب من الحقيقة إلا إليها. وهكذا، كأنما كان على السودان أن يمضي إلى أقصى جراحه، كي يرى وجهه كاملاً في مرآة الدم. لقد تساقطت الأقنعة، وتهاوت الهالات، وانفرط عقد الحكايات التي طالما ألبست بعض الناس هنا أثواباً من القداسة، وأقامت حول بعض المؤسسات أسواراً من هيبة مصطنعة، حتى غدا الاقتراب من مساءلتها ضرباً من الحرام. ثم هبّت العاصفة التي لم تقتلع الأشجار وحدها، بل اقتلعت معها ظلالها أيضاً. فكشفت جذوراً كانت تتغذى في عتمة التاريخ، وأظهرت كم من هذه الأشجار كانت تتطاول قاماتها من خوفنا لا أكثر ولا أقل، وكم من تيجان زائفة لم تكن في حقيقتها سوى أوراقٍ يابسةٍ أجاد الزمن تأخير سقوطها. فقد كان السودان يمشي طوال هذه السنوات محمولاً على روايات كاذبة؛ عن المجد، وعن البطولة، وعن الدولة، وعن هؤلاء الذين يملكون وحدهم مفاتيح البلاد وأسرارها. حتى جاءت اللحظة التي لم تعد فيها تلك الخزعبلات قادرة على إقامة أصلاب أصحابها. فانكشف الإنسان في ميزان القيم، وانكشف الجيش في مرآة السلاح، وانكشفت الدولة في مرآة الغياب، وانكشفت السياسة في مرآة العجز، وانكشفت الجماعات حين سقطت عنها أسماء القضايا وبقيت فقط أسئلة المصالح. ثم انكشفت تلك الحقيقة الأكثر إيلاماً: حقيقة أن الخراب ليس دائماً شيئاً يأتينا من الخارج؛ قد يكون بذرةً ربّيناها في دواخلنا، وسقيناها بخوفنا، وحرسناها بشيء من التعصب الأعمى، حتى إذا أينعت لم نعرف كيف ننجو من طعم ثمارها المرة. وجاء الخامس والعشرون من أكتوبر، كأنما أُغلقت بحماقة رعناء نافذة كانت تتنفس منها البلاد على قلة أكسجينها، ثم جاء الخامس عشر من أبريل، فانفتح في جسدنا جرحٌ لم تعد الخرائط تكفي لوصفه. لم تعد الحرب حرب مدن وحدود فحسب؛ إنما صارت حرباً على قواعد البيت، وعلى ذاكرة الشارع، وعلى حق الإنسان في أن يستيقظ دون أن يجد وطنه قد غادره بليل. هنا مدنٌ تحمل أسماءها في حقائب النزوح، وبيوتٌ فتحت أبوابها للغياب، وأنهارٌ تجري في مجراها كأنها لا تعرف أن الذين كانوا يطلون عليها قد تفرقوا في المنافي والمجهول، وأمهاتٌ يخبئن ما تبقى من العمر في دعاء، وأطفالٌ يتعلمون أسماء الأشياء من جهة فقدانها، وشعوب سودانية تحمل جراحها الراعفة على أكتافها لتمضي في دروب لا تعرف أين ستنتهي. أيُّ وطنٍ هذا الذي صار أبناؤه يبحثون عنه في الجهات الأربع، وفي ملاعب الرباعيات والخماسيات؟ وأيُّ دولةٍ تلك التي يمكن أن تبقى حاضرة في الخرائط وحدها، بينما يغيب محياها الحقيقي في زحام العالم؟ ومع ذلك، ليس السودان كله هناك؛ ليس كله في فوهة بندقية، ولا في منصة قائد، ولا في خطاب يوزع صكوك الوطنية على من يشاء. ثمة سودان آخر، خفيض الصوت، عظيم الحضور؛ يختبئ في «بليلة عدسية مباركة» تُقسم، وفي يد تمتد إلى يد، وفي متطوع يغامر بحياته كي لا يموت الغريب جوعاً، وفي امرأة تحرس ما تبقى من البيت، وفي شاب يحمل ذاكرة قرية كاملة كي لا يسمح للدمار أن يمحو اسمها من الوجود. هناك، في تلك التفاصيل التي لا تدخل نشرات الحرب، ينبض قلب البلاد. لكن حتى هذا الضوء الضئيل علمتنا التجربة ألا نصنع منه على نبله صنماً جديداً. فهؤلاء الأبطال في النهاية بشر، والثورات التي أنجبتهم ذاتها ليست معصومة تماماً، والنوايا الطيبة لا تبني وحدها في واقع مشتبك كهذا وطناً. إذ ما لم تتحول هذه النجاة اليومية إلى وعي جديد، وما لم تجد هذه التضحية طريقها إلى دولة عادلة، فسوف نظل نطفئ حرائق التاريخ بأيدينا، ثم نعود لنشعلها كذلك بأيدينا مرة أخرى. لقد تعب السودان من الذين يريدون امتلاكه باسم إنقاذه. تعب من الذين يخلطون بين الوطن وصورتهم فيه، وبين الدولة وحجوزات المقاعد عليها، بين عقائد هؤلاء ومصالحهم، وبين السلاح والحق، وبين وحدة البلاد وصمت شعوبها. لعل السودان الذي نعرفه ينتهي الآن، لا لأن أرضه انتهت، ولا لأن نيله جفّ، ولا لأن ذاكرته انطفأت، لكن لأن الصورة القديمة لم تعد تحتمل هذا القدر من سطوع شمس الحقيقة. ولعل هذه هي بالضبط المسافة الفاصلة بين نهايةٍ وأخرى: أن ينتهي وطنٌ من أوهامه، كي لا ينتهي علي مسرح الوجود تماماً. نحن لا نحتاج إلى سودان جديد يبدّل أسماء سادته، ولا إلى ثورة تستبدل قداسة بقداسة، ولا إلى دولة تخرج من يد جماعة لتقع بيد جماعة أخرى. نحتاج إلى وطن لا يحتاج فيه أحد إلى الاستئذان كي يكون مواطناً؛ وطن لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بقبيلته أو جهته أو عقيدته أو بدرجة قربه أو بعده من مخازن السلاح؛ وطن تكون فيه الدولة بيتاً للجميع، لا ظلاً لأحد. نحتاج أن نتعلم أخيراً كيف نختلف دون أن نتقاتل، وكيف نتجاور دون أن يتطاول أحدنا على وجود الآخر، وكيف نكون شعوباً متعددة يجمعها وطن واحد لا يطلب من أيٍّ منها أن تتنازل عن روحها كي تنتمي إليه. على أية حال، ربما لم تكن مأساة السودان أنه فقد الطريق إلى المستقبل، إنما أنه ظل طويلاً يفتش عن هذا المستقبل في مرايا الماضي نفسها. والآن، بعد أن تهشّمت هذه المرايا، لم يبقَ أمامنا إلا أن نتعلم رؤية بعضنا بعضاً بلا تصورات وأوهام معيارية تحدد من الذي يشبهنا منا ومن الذي لا يشبهنا. يا لهذا السودان، كم مرةً ظننا أننا نودعه، فإذا به يختبئ في قلب من يقتسمون آخر رغيف، وفي صدر من يحملون أسماء قراهم إلى المنافي، وفي ذاكرة الذين يرفضون أن يكون الخراب هو خاتمة لهذه القصة المأساوية. رغم أني لا أدري أيَّ سودان سيخرج من تحت هذا الركام، ولا بأي وجه سيطلّ على التاريخ، لكنني أعرف أن السودان الذي يستحق الحياة لن يكون نسخةً بأيدي الذين أضاعوه أنفسهم، ولا مرآةً للذين يتنازعون إلى الآن على جثته. سيكون وطناً يتسع للإنسان، أو لن يكون البتة كما ينبغي أن تكون الأوطان. فليس المطلوب أن نعيد السودان الذي نعرفه؛ لكن لعل المطلوب، للمرة الأولى، أن نعرف السودان الذي يستحق أن نكون نحن جميعنا أبناءه كما ينبغي وبلا تفرقة ولا تمييز.