أعمدة ومقالات

من الحرمان إلى المعرفة والإنتاج.. الجامعات امتحان حكومة السلام

عروة الصادق

يحمل قرار رئيس مجلس وزراء حكومة السلام الانتقالية، الأستاذ محمد حسن التعايشي، بتعيين مديرين لست جامعات سودانية، دلالات سياسية واجتماعية وتنموية تتجاوز نطاق التعيينات الإدارية وإعادة تشغيل المؤسسات التعليمية. فهو يفتح باباً لمعالجة واحدة من أعمق المظالم التاريخية التي عانت منها أقاليم السودان، وفي مقدمتها دارفور وكردفان، حيث تراكم الحرمان من فرص التعليم العادل، وتداخلت اختلالات التنمية مع سياسات التهميش والطرد المركزي، قبل أن تضاعف الحرب الراهنة حجم المأساة، وتحرم أجيالاً كاملة من حقها في المعرفة والتأهيل والمشاركة في بناء مستقبلها.

إن الترحيب بهذه الخطوة ينطلق من إدراك أن التعليم قضية تتصل بالحقوق والمواطنة والعدالة الاجتماعية، وأن استعادة الجامعات لنشاطها تمثل مدخلاً لاستعادة المجتمعات قدرتها على التعافي والإنتاج. فالشباب الذين أغلقت الحرب أمامهم أبواب القاعات الدراسية، وشردت أسرهم، وأفقرت مجتمعاتهم، يستحقون استجابة استثنائية تعوض سنوات الانقطاع، وتعيد إليهم الثقة في المستقبل، وتوفر لهم فرصاً حقيقية للحياة الكريمة.

وقد آن الأوان أن تنتقل أقاليم السودان التي عانت طويلاً من اختلال توزيع الموارد والخدمات من موقع انتظار الفرص إلى موقع صناعتها، ومن استهلاك المعرفة المستوردة إلى إنتاجها وتطويرها وتوطين تطبيقاتها. وهنا تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق حكومة السلام ورئيس وزرائها ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في تحويل قرارات التعيين إلى مشروع وطني متكامل لإعادة تأسيس التعليم العالي، يستوعب خصوصية هذه المرحلة، ويتجاوز معالجة آثار الحرب إلى تفكيك الأسباب البنيوية التي ساهمت في إنتاج الحرمان والتخلف التنموي.

وتقتضي هذه المسؤولية أن تتحول جامعات نيالا والفاشر وزالنجي والجنينة والضعين والسلام إلى مؤسسات معرفية متقدمة، تتمتع بالاستقلال الأكاديمي والإداري، وتلتزم بمعايير الجودة والحوكمة والشفافية والكفاءة العلمية، وتوفر بيئة آمنة للطلاب والأساتذة والباحثين، وتكفل حرية التفكير والتعبير والبحث والنقاش العلمي، وتحمي التعدد الثقافي والاجتماعي والفكري الذي يميز السودان.

فالجامعة التي نريدها مؤسسة تتسع للاختلاف، وتحترم العقل النقدي، وتمنح الطالب حق السؤال والمراجعة والاعتراض، وتؤسس علاقتها بالمجتمع على المعرفة والخدمة العامة. ويجب أن تمتلك القدرة على نقد السلطة التي أسهمت في إعادة افتتاحها، وأن يتمتع أساتذتها وطلابها بالحرية الكاملة في التفكير والتنظيم الأكاديمي السلمي، بعيداً عن الرقابة الأمنية والوصاية السياسية والاستقطاب العسكري.

ولقد دفعت الجامعات السودانية أثماناً باهظة جراء السياسات التي اعتمدها نظام الإنقاذ وحركته الإخوانية، وما صاحبها من تدخلات أيديولوجية في إدارة التعليم العالي، وإضعاف استقلال المؤسسات الأكاديمية، وإخضاع بعض التعيينات والفرص لمعايير الولاء السياسي والتنظيمي. وأسهمت تلك الممارسات في إهدار الكفاءات، وتقييد الحريات، وتغذية الاستقطاب والعنف داخل البيئة الجامعية.

ومن هنا تنشأ ضرورة القطع مع ذلك الإرث، ومنع إعادة إنتاج الجامعات باعتبارها حواضن للتطرف والعنف والتعبئة الأيديولوجية والجماعات الراديكالية. ويتحقق هذا التحول عبر بناء مؤسسات تحترم التنوع، وتعتمد الجدارة العلمية، وترفض التمييز والإقصاء والتحريض، وتخضع سلطاتها الإدارية للمساءلة، وتفصل بين الوظيفة الأكاديمية وأجهزة الاستقطاب السياسي والأمني.

ولعل أخطر ما يمكن أن تتعرض له هذه التجربة أن تستبدل وصاية قديمة بوصاية جديدة، أو يتحول التحرر من سيطرة أيديولوجية سابقة إلى تبعية سياسية أخرى. فالجامعات التي يُراد لها الإسهام في تأسيس السودان الجديد يجب أن تتمتع باستقلال حقيقي، وأن تكون معايير الكفاءة والنزاهة العلمية والقدرة القيادية أساس اختيار مسؤوليها، وأن تُحمى مؤسساتها وطلابها وأساتذتها من جميع أشكال التدخل المسلح والإكراه التنظيمي.

وفي المستوى الاستراتيجي، ينبغي إعادة تعريف وظيفة الجامعة وعلاقتها بالبيئة المحيطة بها. فدارفور وكردفان تمتلكان موارد طبيعية وبشرية واقتصادية هائلة، وتواجهان في المقابل تحديات مركبة تتعلق بالمياه والزراعة والرعي والصحة العامة والتصحر والتغير المناخي والتحولات الديموغرافية والنزاعات المرتبطة بالموارد. وهذه القضايا يجب أن تشكل محاور رئيسية للبحث العلمي والتخطيط التنموي، بحيث تنتج الجامعات حلولاً عملية تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمعات.

ونحتاج إلى جامعات تقود البحوث التطبيقية في تطوير الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية، وإدارة المياه والطاقة المتجددة، وتقنيات الري والحصاد المائي، والأمن الغذائي، والطب والصحة العامة، والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، والاتصالات والتقنيات الهندسية المتقدمة. جامعات تستطيع تحويل الموارد المحلية إلى قيمة اقتصادية مضافة، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتأهيل الكفاءات القادرة على إنشاء المشروعات والمؤسسات والمنتجات التقنية التي يحتاجها السودان.

كما ينبغي أن تتحول إلى مراكز متقدمة للتخطيط الاستراتيجي والاستشراف المستقبلي وإدارة المخاطر، وتنتج قواعد بيانات موثوقة عن السكان والموارد والبيئة والاقتصاد والتحولات الاجتماعية، وتوفر المعرفة اللازمة لصناع القرار والمجتمعات المحلية. فالتنمية المستدامة تحتاج إلى مؤسسات علمية قادرة على تشخيص المشكلات، واختبار البدائل، وقياس النتائج، وتصحيح السياسات قبل تفاقم آثارها.

وتزداد أهمية هذا التوجه بالنظر إلى التحديات المناخية والزراعية التي تواجه مناطق واسعة من السودان، وما يرتبط بها من احتمالات انعدام الأمن الغذائي والنزوح والتنافس على الموارد. وتستطيع الجامعات، عبر مراكز بحثية متخصصة وشراكات مباشرة مع المزارعين والرعاة والإدارات الأهلية والمنظمات المهنية، أن تؤدي دوراً حاسماً في الإنذار المبكر، وتحسين الإنتاج، وإدارة الموارد المشتركة، والحد من النزاعات، وتعزيز السلم الاجتماعي.

ويمتد الدور المنتظر إلى إعادة بناء المجتمعات التي مزقتها الحرب، عبر دراسات السلام والعدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية، والتوثيق العلمي للانتهاكات والخسائر، وتطوير برامج الدعم النفسي والاجتماعي، وتأهيل الكوادر اللازمة لإعادة الإعمار. فالجامعة مطالبة بالمساهمة في معالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للحرب، وإعادة بناء الثقة بين المكونات المجتمعية، وحماية التنوع الثقافي واللغوي باعتباره مورداً وطنياً للمعرفة والتعايش.

وتقع على عاتق حكومة السلام مسؤولية توفير الشروط المادية والمؤسسية اللازمة لهذا التحول، بدءاً بإعادة تأهيل المباني والمعامل والمكتبات والمستشفيات التعليمية وشبكات الكهرباء والمياه والإنترنت، وتأمين المستحقات المالية للعاملين، واستعادة الكفاءات العلمية التي شردتها الحرب، وتوفير المنح والإعفاءات الدراسية للطلاب المتضررين، وإنشاء برامج استدراكية مرنة لتعويض الفاقد الأكاديمي.

ويجب أن تحظى الطالبات والفئات الأكثر تعرضاً للحرمان، والنازحون وذوو الإعاقة والطلاب الذين فقدوا أسرهم أو مصادر إعالتهم، بأولوية واضحة في سياسات القبول والدعم والحماية، مع توفير السكن الآمن والخدمات الصحية والإرشاد النفسي والوسائل التقنية اللازمة لاستمرار التعليم.

وتمثل مسألة الاعتراف الأكاديمي بالشهادات واستمرارية السجلات الدراسية أولوية مصيرية ينبغي معالجتها منذ البداية. فالمطلوب حماية المسارات التعليمية للطلاب، واعتماد مناهج ومعايير تقييم موثوقة، وتوثيق المؤهلات والسجلات بصورة قابلة للتحقق، والسعي إلى تفاهمات مهنية مع المؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية المختصة. ويجب تحصين مستقبل الطلاب من تداعيات الانقسام السياسي والمؤسسي، لأن الاعتراف بالمؤهلات قضية تتصل بحقوق آلاف الأسر ومستقبل أبنائها.

ومن الضروري كذلك تأسيس شراكات مع الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات التكنولوجية داخل السودان وخارجه، واستقطاب الكفاءات السودانية المنتشرة في المهجر، وتطوير برامج التعليم المدمج والتعليم الإلكتروني، وإنشاء حاضنات الأعمال والابتكار ومراكز التدريب المهني والتقني، وربط البحوث بالقطاع الإنتاجي والأسواق المحلية والإقليمية.

غير أن هذه الطموحات تحتاج إلى إرادة تنفيذية وموارد وخطط قابلة للقياس. ولذلك فإن المطلوب من مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي والمديرين المعينين إعداد برنامج عاجل لإعادة التشغيل، يبدأ بحصر الأضرار والاحتياجات، وتحديد أوضاع الطلاب والأساتذة، ووضع أولويات السلامة والتأهيل، يتبعه برنامج متوسط المدى لتطوير المناهج والمعامل والشراكات، وخطة استراتيجية طويلة المدى لتحسين جودة التعليم والبحث العلمي وتعزيز القدرة التنافسية والإنتاجية لهذه الجامعات.

وينبغي أن تصاحب هذه البرامج موازنات معلنة وآليات رقابة مستقلة ومؤشرات أداء تقيس معدلات عودة الطلاب، واستقرار العملية الأكاديمية، وجودة المخرجات، وحجم الإنتاج البحثي، وعدد المشروعات المرتبطة باحتياجات المجتمعات، ومدى مساهمة الجامعات في التنمية المحلية وخلق فرص العمل.

إن المسؤولية السياسية والأخلاقية لرئيس الوزراء وطاقمه الوزاري تتجاوز إصدار القرارات وتسمية القيادات، إلى ضمان توافر الموارد والإرادة المؤسسية والشروط الأمنية والاقتصادية التي تجعل تلك القرارات قابلة للتنفيذ. وسيكون معيار النجاح الحقيقي هو قدرة هذه الجامعات على فتح أبوابها بصورة مستدامة، واستعادة ثقة الطلاب وأسرهم، وصيانة استقلالها، وتخريج كفاءات تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الإنتاج والإبداع.

ومع تقدير أهمية الخطوة، فإن استعادة التعليم العالي يجب أن تظل جزءاً من مسؤولية أوسع لحماية الحق في التعليم في جميع أنحاء السودان، والحفاظ على وحدة المعايير الأكاديمية، وصون الجامعات من آثار الانقسام والحرب. فالطالب السوداني يستحق تعليماً آمناً ومعترفاً به، بصرف النظر عن الإقليم الذي ينتمي إليه أو السلطة التي تدير منطقته.

إن أعظم انتصار يمكن أن تحققه حكومة السلام في هذا المجال أن تمنح جيلاً حرمته الحرب من المستقبل أدوات صناعة مستقبله، وأن تحول الجامعات من مؤسسات أنهكها الصراع والتهميش إلى قوى معرفية منتجة تسهم في نهضة مجتمعاتها.

نريد لهذه الجامعات أن تكون مصانع للعقول الحرة، ومختبرات للابتكار، ومراكز للتخطيط الاستراتيجي، ومنصات للتقدم العلمي والتكنولوجي، وحواضن للسلام والعدالة الاجتماعية، ومؤسسات تفتح أبواب المستقبل أمام الشباب الذين دفعوا أثماناً باهظة للحرب والحرمان.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن يحملها هذا القرار إلى جميع مؤسسات حكومة السلام أن تأسيس السودان الجديد يبدأ بتحرير الإنسان من الخوف والجهل والتبعية، وتمكينه من المعرفة والعمل والإنتاج، وإعادة الاعتبار للعقل والعلم بوصفهما أساس القوة الحقيقية للمجتمع والدولة.

فالأمم التي تستثمر في العقول تمتلك القدرة على تجاوز آثار الحروب، والمجتمعات التي تحمي جامعاتها من التطرف والعنف والتوظيف السياسي تستطيع أن تصنع السلام وتحافظ عليه.

والاختبار الحقيقي لهذا القرار يبدأ من اليوم: هل نكتفي بتعيين مديرين لجامعات أنهكتها الحرب، أم نؤسس جامعات قادرة على تغيير المصير التاريخي للأقاليم التي عانت طويلاً من الحرمان؟

إن الإجابة التي يستحقها شباب السودان يجب أن تُكتب بالعلم والعمل والمؤسسات والنتائج، وأن تتحول إلى واقع ملموس في القاعات الدراسية والمختبرات والحقول والمصانع ومراكز الإنتاج.

فمستقبل هذه الأقاليم ينبغي أن تصنعه عقول أبنائها، وأن تكون الجامعات بوابتهم إلى وطن تتساوى فيه فرص المعرفة والكرامة والتنمية.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة