أعمدة ومقالات

أهي المراوغة أم الدبلوماسية يا ود الحفيان؟

سيكوسياسة 92
د.مواهب عبدالمنعم كمال الدين

نحاول في هذا المقال البحث عن هيبة الدولة وكرامتها وسط تصرفات ود الحفيان علّنا نجدها في مصاف الدبلوماسية. ونركز هنا على زيارته الأخيرة لروسيا وعرضه الساذج كما التلميذ لأراضي السودان للاستثمار فيها من غير أي وجه حق.

ود الموية
لدينا مقولة في السودان يوصف بها الشخص المراوغ وهي (فلان دا ود الموية)، أي أنه شخص يتشكل حسب الوضع أو الموقف الذي يخدمه. فالموية تأخذ شكل الإناء الذي توضع فيه سوى كان شكل أفعى أو شكل وردة. وفي مقولة أخرى يقال له ود الموية لأنه يتَمَلص كما السمكة أو الصارقيل في الماء فلا يتمسك بسهولة. وكلها تدل على المراوغة.

فالشخص المراوغ هو الشخص الذي يتهرب من المسؤولية ومواجهة المواقف، فيتخذ من التضليل والكذب والتحايل وسيلةً له. وهذه هي صفات ود الحفيان التي عُرف بها داخلياً خاصة مع القوى السياسية، وخارجياً في تعاملاته مع المجتمع الدولي وعلى مدى اربعة سنوات. لذا، وبديهيا يعتبر عرضه لروسيا وبرغم عدم دستوريته، هو نوع من المراوغة على المجتمع الدولي وعلى رأسهم أمريكا والسعودية. فلم ولن يتعظ الحلمان يومآ ما بعدم جدوى المراوغة لأنها طبع متجذر في شخصيته.

أما الدبلوماسية فسوف أقوم بضرب مثل شخصي بسيط حتى يصل المعنى. وهو قبل عدة سنوات كان لي كورس تدريبي في اوكلاند بكاليفورنيا، فتعرفت على الجالية السودانية هناك وكانت جالية في قمة الروعة ودائمة التجمع والونس. وفي احد التجمعات كان النقاش عن حفلة أقامها الفنان عاصم البنا هناك، فأعرب الجميع عن إعجابهم بالحفل وبالفنان وأغانيه. إلى أن تطرق النقاش دون قصد إلى شكل الفنان، فهنا إختلف رأي فريق النساء عن الرجال. فسألني أحدهم بحكم إنني الضيفة الوحيدة بينهم فقال لي (عليك الله عاصم البنا دا هسه سمح؟). وهنا توقع معسكر النساء أن أكون في صفهم، فقلت لهم (صراحة عاصم البنا ما سمح لكن جذاب) فضحك الجميع وقالوا إنها إجابة دبلوماسية. فلماذا دبلوماسية؟؛ لأنها أخرجتني من الحرج فأرضيت الطرفين ولم أخسر أحدهم، ثانياً لم اكذب فيها، ثالثاً لم يتضرر عاصم البنا ولم أسئ إليه.

فالدبلوماسية إذن هي فن إدارة العلاقات والتفاعلات والمواقف لجني المكاسب دون ضرر سوى كانت علاقات سياسية أو شخصية وغيرها. وفي العلاقات السياسية يحاول الدبلوماسي كسب الجولات بذكاء دون الحوجة أو الدعوة للعنف والعدوان ناهيك عن الدعوة للحرب.! وهذا ما يفتقره سلوك ود الحفيان برغم مآلات الحرب. فماذا جنى ود الموية دبلوماسياً على المستوى الشخصي أو السياسي بزيارته لروسيا، ناهيك خلال فترة حكمة؟

اذن، الفرق بين المراوغ والدبلوماسي هو كالفرق بين ود الحفيان وحمدوك مثلا. فالشخص المراوغ تجد إجاباته ومواقفه رمادية مما يسبب التضليل والضرر لمن يتعامل معهم، مع كثرة استخدام الكذب والخداع والوعود الغير صادقة. بينما الدبلوماسي يقرأ المواقف بذكاء ويعرف متى يصمت ومتى يتحدث. فهو – اي الدبلوماسي (قد لا يقول كل الحقيقة لكنه لا يكذب وإجاباته واضحة ليس بها لبس). وبذا، تجد الدبلوماسي شخص محترم وموثوق فيه، بينما المرواغ لا يحترمه الناس وتنعدم الثقة فيه من أقرب الأقربون.

وعليه، فإن سلوك ود الحفيان يفتقر للدبلوماسية ويتسم بالمرواغة وهي ضرب من ضروب الذلة. فليس من الكرامة ذلة النفس وإسترخاصها من أجل أي هدف أو غاية دنيوية. فما بالكم بذلة دولة وإسترخاصها من أجل هدف أو غاية شخصية. وبالإسترخاص يخضع الشخص طواعية لفعل أشياء تفقده إحترام الآخرين له، فيكون شخصاً محتقراً خاضعاً للغير تنقصه عزة النفس وكرامتها ولا يصفق له إلا أمثاله.

وأخيراً،، إذا ما إجتمع عنصر المراوغة والإسترخاص والتبلد مع نبذ السلمية وضعف اللباقة وقلة الحكمة، فهذا يشكل لنا شخصية ود الحفيان وما يقوم به من مراوغة وتضليل بعيدا عن الدبلوماسية.
*وربنا يرحم السودان وشعبه إلى أن ينزاح هو وكيزانه.

f.Mawahib A kamaleldin
2.11.2026

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة