أعمدة ومقالات

الإنحراف السلوكي العدواني للأطفال ما بعد الحرب (البذاءة اللفظية)

سيكوسياسة 94
د. مواهب عبدالمنعم كمال الدين

طلبت مني أستاذة فاضلة تدير قروب نسائي إجتماعي، أن أتحدث لهم عن البذاءة اللفظية كسلوك انتشر بعد الحرب وسط أطفالنا السودانيين، وذلك لنشره لديهم بالقروب. ولكنني آثرت تعميم النشر لما له من أهمية إستدعت إنتباهها وإنتباه غيرها من الأُسر. ولقد سبق وتناولت التأثير النفسي للحرب على الأطفال في ثلاث مقالات دون التعرض للإنحرافات السلوكية. وهو موضوع يحتاج لكتب بحالها للحديث عنه، ولكننا سنختصرها في هذا المقال بتناول البذاءة اللفظية.

فالإنحرافات السلوكية للأطفال بصورة عامة، هي أن يُحيد الطفل عن المعايير الإجتماعية والنفسية والأخلاقية المعروفة، فيأتي بسلوكيات غير مقبولة كالسرقة والكذب والعناد والعدوان، بما في ذلك العدوان اللفظي (البذاءة اللفظية) وغيره. فالبذاءة اللفظية عند الأطفال تعتبر نوع من أنواع الإنحراف السلوكي العدواني، إذ ينفس به الطفل بطريقة خاطئة عما بدواخله من ضغط نفسي. وله أسباب كثيرة بيئية ونفسية ولا تلعب فيه الوراثة دوراً يذكر لأنه يعتبر سلوك مكتسب.

والبيئة المحيطة تُشكل العامل الأساسي في إنحراف السلوك اللفظي للاطفال -أي البذاءة اللفظية. فيُعد البيت العامل الأول إذا كان أحد أفرادة يستخدم هذه الألفاظ. فهنا يلعب عنصر المحاكاة الدور الأساسي حيث لا يستنكر الطفل السلوك فيقلده. وهناك أيضا إنعدام عنصر المراقبة خارج المنزل من قِبل الأهل، فيحاكي الطفل الآخرين، أو يأتي بالسلوك كنوع من إثبات الذات لتنمرهم عليه، أو غيرة من أسباب الإثارة والتحفيز لسلوك الطفل. وهناك عامل بيئة المدرسة إذا كان النهج التربوي فيها مختل بعدم الرقابة، وذلك بوجود أطفال منحرفي السلوك داخل المدرسة دون إنتباه ومعالجة.

أما في وضع الحروب فإن الطفل يتأثر نفسيا وإجتماعياً وسلوكياً وعصبياً نتيجة لوضع الضغط النفسي الذي فُرض عليه هو وأهله. ففي ظروف الحرب يعيش الطفل ضغط نفسي يتولد من إنعدام الإحساس بالأمان مع القلق والهلع لسماع أصوات الدانات والطائرات، ورؤية العنف والدمار، هذا بالإضافة إلى رؤيته للهلع والقلق والخوف الظاهر على (تصرفات أهله) وهم بالطبع مصدر أمانه الوحيد في هكذا ظروف. فهذا الضغط النفسي نتيجة الحرب يؤثر وبشكل عام في البناء النفسي للطفل وعلى نمو الدماغ والجهاز العصبي، وبالتالي يؤثر على إستجاباته السلوكية والإدراكية. لذا تأتي إستجابة الطفل كرد فعل انفعالي نتيجة لهذا الضغط النفسي.

لذا، وبالنسبة للبذاءة اللفظية والتي تعتبر من انحرافات السلوك العدوانية كما أسلفنا، نجد أن بيئة الحرب الغير مستقرة تؤثر بشكل مباشر في انحراف السلوك وذلك لعدة اسباب نذكر منها:
اولا: بيئة الحرب الغير مستقرة وغير آمنة خلقت كثير من المشاكل الأسرية سوى بين الأبوين أو بين أفراد العائلة الكبيرة مما شكل ضغط نفسي على الأطفال. وبالتالي يتم تفريغه من قبلهم بصورة انفعالية باي شكل من أشكال السلوك التنفيسي سوى بعدوان لفظي أو كذب أو سرقة أو انطواء أو حركة زائدة وغيره.

ثانياً: عدم التوافق الإجتماعي في بيئات النزوح واللجؤ ساهم في اعوجاج السلوك. فقد شكت لي إحدى الأمهات اللاجئات في دولة مجاورة، إتيان إبنها بألفاظ بذيئة كما أهل البلد الذي تعيش فيه ويألف أطفالهم هذه الألفاظ من الكبار عندهم. فهذه واحدة من أسباب انحراف السلوك بسبب الحرب وهي التنفيس بالمحاكاة أو التقليد لإثبات الذات وسطهم.
ثالثاً: في الحروب تنعدم رقابة الأهل أو تقل بسبب انشغالهم بالترحال أو بتوفير سبل العيش من مأكل وتعليم وعلاج ومواصلات وغيره، مما يتيح للطفل الاختلاط بفئات منحرفة سلوكيا دون توجيه ورعاية.
رابعا: مع الحرب وزعزعة التعليم ينعدم دور المدرسة كعنصر مهم في التنشئة بعد البيت، فيفتقد الطفل توجيهات المعلمين التي تتكامل مع دور المنزل.
خامساً: الضغط النفسي والمعيشي على الأهل يجعلهم غير متحملين لأي حوار مع ابناءهم فتجدهم في حالة صراخ وسب مستمر مما يخلق نوع من الكبت لدى الطفل وزيادة الضغط النفسي عليه، فينفس بالعنف اللفظي البذئ.

بعض الإرشادات العلاجية

علاج الإنحرافات السلوكية للأطفال أمر متشعب جدا ويحتاج لعرض الطفل على مختص لتشخيص وتقييم نوع الإنحراف وسببه سوى كان سبب بيئي أو نفسي. ذلك مع قراءة التناقض أو الفرق بين المعايير الاجتماعية المقبولة لمجتمعه الأصلي والمجتمع الذي يعيش فيه، هذا بالنسبة لوضع النازحين واللاجئين.
لذا، سوف اذكر توجيهات عامة نخص بها سلوك البذاءة اللفظية أعلاه.

اولاً: يجب عمل تقييم نفسي مبدئي للسلوك مثل؛ هل شكل الطفل طبيعي أم به ما يجعله مدعاة للتنمر من أقرانه؟، وهل وضعه الإجتماعي والأكاديمي يشوبه ما يجعله يشعر بالنقص والدونية فيعوضه بالعدوان اللفظي؟. أيضا وعن الظروف التي يتم فيها السلوك، فهل سلوكه عبارة عن ردة فعل بسبب إثارة أو تحفيز من الآخرين أم محكاه للغير وإثبات للذات، أم غيره؟، وماهي كيفية الأداء للسلوك، وعدد مرات تكراره، ومدته، وحالة الطفل النفسية بعده. وهكذا يتم رصد الملاحظات التي تفيد في تقييم سلوك الطفل.

ثانياً: يجب تحديد الأسباب التي أدت للبذاءة اللفظية، كعنصر البيئة كما ذكرنا أعلاه. وذلك (لمنع) السلوك إذا كان معتاداً للأُذن من الكبار في البيت، أو (إبعاد) الطفل من البيئة الخارجية السيئة التي يحاكيها في السلوك. وذلك مع توفير البدائل الأخرى للتواصل الفعلي مع الآخرين ( ولااا نوصي بالموبايل كبديل وهذا له مقال منفصل إن شاء الله ). أيضا يجب التواصل والتنسيق مع المدرسة في المعالجة إذا كان السبب آتي من بيئتها.

ثالثاً: والأهم المعالجة المنزلية بالحوار العقلاني الذي يوضح للطفل (فظاعة) الألفاظ التي يقولها ومدى إستنكارهم ورفضهم البات لها، وكذلك رفض المجتمع والدين لها، مع الإتيان بأمثلة لسلوكيات إيجابية دون (المقارنة) بالمرة مع أطفال آخرين. وكل ذلك مع الحزم والحسم وأكرر الحزم والحسم (دون القسوة بالمرة). مع إختيار العقاب الذي يؤثر في الطفل إذا لم يستجيب للأهل بالحوار العقلاني، وذلك أيضا مع الحسم والحزم ونكرر بدون قسوة بالمرة.

أخيراً .. إذا إستعصى الأمر على الأسرة، يُفضل عرضه على مختص نفسي من أجل دقة التقييم والتشخيص خاصة بالنسبة للمراهقين، وحتى لا يتطور الوضع الى إضطراب ما بعد الصدمة.

f.Mawahib A kamaleldin
6.11.2026

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة