لم افكر قط حتى يوماً في الكتابة عن انتصار للجيش أو الدعم السريع أو أنقل حتى أخبار الحرب الدائرة، لقناعتي بأن الانتصارات (المزعومة) ما هي إلا خسائر للوطن، فثمن السلاح الذي يتقاتلان به هو من أموال هذا الشعب المسكين مهما تعددت الافتراضات ومزاعم التمويل الخارجي، وأن الارواح التي تُزهق من الطرفين هم من شباب هذا الوطن أو السواعد التي كان من المفترض أن تبني، ولن أتحدث عن الدمار والجوع والمرض والمستقبل المجهول لأجيال قادمة، وعن باطن هذه الحرب من فساد وتنمر وتمزيق للّحمة والترابط الاجتماعي، وكلها أمور من المفترض أن كل (عاقل) يدركها ولا مزايدة فيها..
والإعلام الذي كان يجب أن يكون هو رأس الرمح في تهدئة النفوس ونشر مآسي هذه الحرب مجردة، وأن يكون حلقة الوصل لتبيان هذا الجنون للأطراف المتحاربة بالعقلانية والطرح الإنساني قبل الطرح السياسي، وأن يصنع لنفسه موقعاً من (الاحترام) بين طرفي النزاع يجعل من أطروحاته مقبولة، وأن يضع حقائق الدرك والانحطاط الذي وصلنا إليه وألا ينقاد كـ(الأعمى) خلف أطماع مجموعات الطرفين، وأن يوظف مكانته لإخراج البلاد من هذه الأزمة لا لزيادة نيرانها، وألا ينجرف خلف هذا الكم الهائل من (السخف) والأكاذيب التي تقودها الغرف الإعلامية لطرفي النزاع، فالكل والجميع يدرك بأن لكل طرف منهما أهدافه (الرخيصة)، بينما ينقل الإعلام الذي تشظى وباع البعض منهم ضميره بحفنة من أموال الدنيا الزائلة أخبار الفتنة والموت والدمار بلا وعي لما وصلت إليه أحوال البلاد والبسطاء من جوع وفتنة يعلم الله وحده مداها..
إعلام البلاد اليوم يعيش غيبوبة الانتماء بأشكال مختلفة، يحتاج لوقفة مراجعة للنفس والضمير وإلى (ميثاق شرف) يلتزم فيه الجميع بمحاربة نشر وتوزيع أخبار وصور هذه الحرب المدمرة، وعدم تناول الأخبار أو المقالات التي تزيد من نيران الفتنة، يتوافق عليه جميع الإعلاميين وإيقاف عمليات التراشق اللفظي عبر المواقع والمنصات، فرغم كل شيء هم (زملاء) يربطهم شرف الكلمة الصادقة النزيهة ويجمعهم هذا الوطن، ومناقشة عمليات (الخطأ والصواب) بصورة حضارية ومشرفة لهم ولـ(السلطة الرابعة) التي يدعون الانتماء إليها، وألا يخوضوا مع الخائضين لتمزيق الوطن وزرع فتنة القبلية والجهوية والوقوف خلف أطماع الأرزقية والمغامرين من العسكر، ومهما طالت المأساة فإن الوطن وحده الباقي ومواقف الكلمة الشجاعة في الوقت الذي يحتاجه الشعب والوطن، فالكلمة الملوثة بالدماء تكون أحياناً أسوأ من الرصاصة.. ومنابر ثورة الوعي لن تتوقف حتى فجر الوطن الجديد. وللمحاسبة دفاتر مفتوحة.. والرحمة والخلود للشرفاء من الشهداء.