تَرْوِي كتب التاريخ والأدب، التي وَثَّقَتْ للعهد الأُموي، أنَّ القائد العسكري عبد الرحمن بن الأشعث – خلال توقف إحدى المعارك لدفن قتلى طرفيها وإسعاف الجرحى واستراحة المتحاربين – عُرِضت عليه مبادرة للصلح، لكنه رفضها وخطب في جُنْدِهِ قائلاً: “أيها الناس: إنه لم يَبْقَ من عَدُوِّكم إلَّا كما يبقى من ذَنَب الوَزَغَة، يُضْرَبُ بها يميناً وشمالاً فما تلبث إلَّا أن تموت” .. فسمعه رجلٌ من “بني قشير”، خَبِر الحربَ وويلاتها، وخاطَبه مُستنكِراً وناصِحاً: “قُبِّح هذا مِنْ رأي، يدعو لقلة الاحتراس ويَعِدُ بالأضاليل ويُمَنِّي بالباطل” .. لكنَّ ابن الأشعث أشاح بوجهه عن الرجل القشيري وأعرض عن نُصْحِهِ، وأمَر الجُنْد بالاستمرار في القتال، الذي لم يُسْفِر عن انتصار حاسم لأيٍّ من الطرفين ولم يُخلِّف سوى المزيد من القتلى والجرحى والخراب، قبل أن يُضطر الجميع إلى قبول الصلح الذي كان مُمْكِناً بكلفةٍ أقل!
ما بين “ذَنَب الوَزَغَة” و”حبل الوريد” فترة زمنية، تمتدُّ لمئات السنين، تكرَّرت فيها الحروب وتشابهت مآسيها ونهاياتُها – في شَتَّى بقاع الأرض، وفي السودان على وجه الخصوص – لكن ما أكثر العِبَر وما أقلَّ الاعتبار!!
لقد عانت بلادُنا من كارثة الحرب، وما جَرَّته من موتٍ وتشريدٍ ودمار، ما يفوق طاقة أهلها على الاحتمال .. ولا سبيل للخلاص إلَّا بأن تنتظم إرادة السلام الغالبة في مواجهة دعاة استمرار الحرب والمُنتفِعين منها، وأن تنهض لإنهاء أزمة الوطن المُزْمِنة – عَبْر مسار سلمي – بمنطق السياسة والتوافق، لا بمنطق الغلبة والبنادق.