قائد الانقلاب (البرهان) لا يملك ورقة بيضاء يمكن أن يقدمها للتفاوض مع القوى الوطنية الديمقراطية غير (استقالته) والتنحي عن الحكم، وحتى لا تتوهم أو تظن الأقلام الكيزانية بأن ما يقدمه من تنازلات تسعدنا، فإننا نعلم بأن (الحوار السوداني) المزعوم لا يعدو سوى محاولة لشق صف القوى الديمقراطية المعارضة للحرب وتشتيت جهودها، بعد أن وصل الانقلاب لعنق الزجاجة وحافة الانهيار وهو يبحث عن طوق نجاة وسط إفلاس الخزينة العامة، وانفجار السخط الشعبي من المشاكل التي لا حصر لها من انقطاع مستمر للكهرباء وانعدام المياه والتفلتات الأمنية والأمراض المنتشرة وانهيار العملية التعليمية، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف الحياة اليومية وفقدان الجنيه السوداني لقيمته حتى اقترب من (التعويم)، وعجز حكومة (الهمل) عن إيجاد حلول ناجزة لها وسط انشغالها بالصراع على المناصب، مع ارتفاع تكلفة الحرب يومياً وحصار دولي اقتصادي واتهامات باستخدام أسلحة كيماوية وغياب الرؤية الواضحة أو انعدامها لديها.
وحتى لا ترهق الأقلام الكيزانية مدادها بالهجوم على (الحوار) وتسود وجهها أمام راعي نعمتها (البرهان)، فإن القوى الوطنية لم تكن تنتظر (صك غفرانه) لتهرول إلى أحضان العسكر الانقلابيين، ولن تبيع مواقفها ببعض الوعود التي لا قيمة لها، وهي لم ولن توافق على حوار لا يبعد المغامرين العسكريين عن سدة الحكم ويعمل على إنهاء سطوة المليشيات وتفكيكها بكافة أشكالها وأنواعها بما فيها الدعم السريع، وصناعة جيش واحد موحد تنحصر مهامه ككافة جيوش العالم في حماية حدود البلاد والدستور والدولة المدنية الديمقراطية.
قوى الثورة المدنية قد استوعبت الدرس الذي قدمه المناضل الوطني الراحل علي محمود حسنين -رحمة الله عليه- والذي حذر فيه من الدخول في شراكة مع العسكر وهو خطأ لن يتكرر ولو استمر النضال لعشرات السنين، وأن الحكومة إما تكون مدنية خالصة أو لا تكون، وهتافات الثوار (ماتدي قفاك للعسكر) كانت تنبيهاً لم تستوعبه القيادة المدنية التي سعت لإيقاف نزيف دم الثوار بالشوارع؛ لتدرك بعد فوات الأوان أن لا أمان لمغامري العسكر ولا عهود لهم، لتمنحها تلك التجربة المريرة قوة دفع وإرادة وتجعل معالم النضال أكثر وضوحاً، فالنضال نحو الدولة المدنية الديمقراطية لم يتراجع ولكن جعلت منه التجربة أكثر قوة وسيمضي حتى تحقيق الهدف المنشود.
من العصب.. الحرب مجزرة تدور بين أشخاص لا يعرفون بعضهم لصالح أشخاص يعرفون بعضهم ولكنهم يتقاتلون بغباء.. وستظل الثورة مستمرة والشعب أقوى. وتظل راية المحاسبة والقصاص مرفوعة. والرحمة والخلود أبداً لشهدائنا.