أعمدة ومقالات

مآسي أسيفة بولاية النيل الأزرق: نزوح مستمر وظروف بالغة التعقيد يعيشها المواطنون

بقلم/ إيهاب الأمين

تتصاعد وتيرة المعاناة الإنسانية في إقليم النيل الأزرق مع تجدد موجات النزوح الإجباري للمدنيين وتحديداً من محلية قيسان والمناطق المحيطة بها نحو الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا حيث يواجه آلاف السودانيين ظروفاً معيشية بالغة القسوة تعيد إلى الأذهان الثمن الباهظ الذي يدفعه الأبرياء جراء الصراعات المسلحة وتؤكد هذه التطورات الأخيرة الموثقة تقاريرها عبر المنظمات الدولية والمحلية أن استمرار المواجهات والتوترات الأمنية لا يقود إلا إلى تعميق الجراح المجتمعية والاقتصادية في منطقة عانت طويلاً من الهشاشة الأمنية وتراجع معدلات التنمية وتتداخل في هذه الأزمة عوامل جغرافية وإنسانية معقدة إذ يجد الفارون أنفسهم في مناطق حدودية نائية تفتقر لأبسط مقومات الحياة الأساسية من مأوى وغذاء ومياه شرب نظيفة مما يحول رحلة البحث عن الأمان إلى مواجهة مفتوحة مع الموت والمرض في العراء وتحت وطأة التقلبات الجوية الموسمية الصعبة.
وتتجلى أبعاد هذه الفاجعة في الانهيار الكامل لمنظومة الخدمات الأساسية في المناطق التي شهدت عمليات النزوح والمناطق المضيفة على حد سواء حيث أغلقت المستشفيات والمراكز الصحية أبوابها نتيجة لنقص الكوادر الطبية وانقطاع إمدادات الأدوية والمستلزمات الجراحية الضرورية مما حرم آلاف المرضى وأصحاب الأمراض المزمنة من الرعاية الطبية العاجلة ويترافق هذا الانهيار الصحي مع توقف كامل للعملية التعليمية وتدمير المدارس أو تحويلها إلى مراكز إيواء مؤقتة مما يحرم جيلاً كاملاً من الأطفال من حقهم في التعليم ويدفعهم نحو مستقبل مجهول تسيطر عليه الأمية والتشرد بالإضافة إلى الانقطاع المستمر لشبكات الاتصال والمياه والكهرباء مما عزل الإقليم عن العالم الخارجي وصعب من مأمورية غرف الطوارئ والمنظمات الإنسانية في رصد الانتهاكات وتقديم المساعدات العاجلة للمتضررين.
ويبقى الأطفال هم الحلقة الأضعف والضحية الأكبر لهذه الحرب العبثية إذ يواجهون تداعيات نفسية وجسدية خطيرة ستلازمهم لسنوات طويلة نتيجة لمعايشتهم مشاهد العنف وفقدان الاستقرار الأسري والاجتماعي حيث تشير التقارير الميدانية إلى ارتفاع مخيف في معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال النازحين وافتقارهم للتحصينات الأساسية ضد الأمراض الوبائية مما يهدد بحياة الآلاف منهم فضلاً عن مخاطر التجنيد القسري والاستغلال التي تحيط بهم في ظل غياب الحماية الأسرية والمؤسسية وتكشف هذه الوقائع المؤلمة الوجه البشع للحرب التي تدمر النسيج الاجتماعي وتصنع أجيالاً من المشردين واليتامى وتثبت للقاصي والداني أنه لا يوجد أي رابح في هذه المعارك الساعية وراء مكاسب سياسية أو عسكرية ضيقة على حساب دماء المواطنين ومستقبلهم
إن الربط بين تفاقم هذه الأزمات الإنسانية وطبيعة الصراع المسلح يؤكد حقيقة واحدة وهي أن الحروب لا تنتج نصراً لأي طرف بل تؤدي إلى هزيمة جماعية للوطن بأكمله من خلال تدمير البنية التحتية واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية وتحويل الطاقات البناءة إلى أدوات للهدم والخراب وتظل أزمة إقليم النيل الأزرق وشريطها الحدودي شاهداً حياً على ضرورة الوقف الفوري لكافة أشكال الاقتتال واللجوء إلى خيارات السلام والحوار كسبيل وحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وفتح الممرات الآمنة لفرق الإغاثة الدولية لإيصال المساعدات الإنسانية العاجلة ووضع حد لهذه المعاناة التاريخية المتجددة التي تكاد تقضي على آمال الشعب السوداني في الاستقرار والعيش الكريم داخل أرضه ووطنه.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة