كتب ياسر عرمان، القيادي في تحالف “صمود”، مقالاً حمل عنوان “الجيش بين المقاربة الجزئية والشاملة للحوار”، ووجّهه إلى عدد من المهتمين عبر تطبيق “واتساب”.
وفي المقال، يطرح عرمان بوضوح فكرة الحوار المباشر مع الجيش، داعياً إلى مقاربة شاملة لا تكتفي بوقف الحرب، وإنما تربط بين إنهائها، ومعالجة الكارثة الإنسانية، ومخاطبة جذور الأزمة السياسية والعسكرية في السودان.
هذه اللغة تبدو، للوهلة الأولى، أكثر انفتاحاً على الحوار مع الجيش من اللغة التي استخدمها تحالف «صمود» في بيانه الأخير بشأن دعوة الفريق عبد الفتاح البرهان للحوار.
فبينما يرى عرمان أن الحوار المباشر مع الجيش ممكن، بل ضروري، شريطة أن يقوم على مبادئ وشروط واضحة، يذهب بيان «صمود» إلى أن أي حوار يجري داخل مناطق سيطرة الجيش قد يتجاهل واقع الانقسام القائم، وربما يقود إلى تكريس تقسيم البلاد، مؤكداً أن التحالف لن يكون طرفاً في ما وصفه بـ”حلول زائفة” تمنح الحرب ونتائجها شرعية سياسية.
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها، فعرمان يقول، بصورة أو بأخرى: لنتحاور مع الجيش، ولكن وفق شروط واضحة. بينما يقول بيان “صمود” الرسمي: لا حوار يتجاوز وقف إطلاق النار، ولا حوار يجري تحت هيمنة أي طرف من أطراف الحرب.
ويبدو أن عرمان يحاول نقل النقاش من سؤال: “هل نحاور الجيش؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: “كيف نحاور الجيش، وعلى أي أساس، وما الذي يجب أن ينتج عن هذا الحوار؟”
وهذا الانتقال في حد ذاته مهم؛ لأن مجرد الانتقال من رفض مبدأ الحوار إلى مناقشة شروطه يعني أن الحوار لم يعد، بالنسبة إلى عرمان، فكرة مرفوضة من حيث المبدأ، وإنما أصبح خياراً سياسياً يمكن بحثه والتفاوض حوله.
وهنا تحديداً يصبح السؤال أكثر تعقيداً. فإذا كان هذا هو تصور أحد أبرز قيادات “صمود” للحوار مع الجيش، فلماذا لا يعكس البيان الرسمي للتحالف هذا الموقف بصورة أكثر وضوحاً؟ وهل يمثل مقال عرمان اجتهاداً شخصياً لا يلزم التحالف، أم أنه محاولة لفتح نافذة سياسية جديدة داخل الخطاب العام لـ”صمود”؟
الأمر لا يتعلق فقط بالاختلاف في صياغة المواقف، وإنما بالسؤال الأكبر حول موقع الجيش نفسه في المعادلة السياسية المقبلة، فإذا كان عرمان قد وصف الجيش في مواقف سابقة بأنه جيش ذو طابع أيديولوجي، فإن الانتقال اليوم إلى الحديث عن الحوار المباشر معه، حتى وإن كان مشروطاً، يمكن أن يُقرأ باعتباره تحولاً في المقاربة السياسية تجاه بورتسودان.
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل تحركات السعودية الرامية إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني، ومساعيها لخلق حاضنة سياسية مدنية للبرهان، بعد أن قامت قيادات بارزة من “صمود” بزيارة الرياض في وقت سابق.
فهل بدأت هذه التحركات تترك أثراً داخل “صمود” نفسها؟ وهل يمكن أن تقود، بمرور الوقت، إلى إعادة صياغة موقف التحالف من الجيش، بحيث ينتقل من رفض الحوار في ظل استمرار الحرب إلى قبول حوار سياسي مشروط، يوازن بين وقف القتال وإعادة تشكيل الدولة؟
لا يمكن الجزم بأن مقال عرمان يمثل تحولاً سياسياً داخل “صمود”. وقد يكون مجرد اجتهاد شخصي، أو قراءة مختلفة لآليات الوصول إلى السلام، أو محاولة لتطوير الخطاب السياسي للتحالف بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة.
ولكن في جميع الأحوال، فإن المسافة بين خطاب عرمان وبيان “صمود” الرسمي أصبحت جديرة بالنقاش. وربما لا يكون السؤال الأكثر إثارة هو: هل اقترب ياسر عرمان من بورتسودان؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإن أمام تحالف «صمود» مسؤولية سياسية واضحة: أن يشرح للرأي العام الفرق بين موقفه الرسمي والمواقف التي يطرحها بعض أبرز قياداته.
ففي السياسة، لا تكفي البيانات المنفصلة عن السياق؛ لأن التباين بين البيان الرسمي والخطاب الصادر عن القيادات الرئيسية يمكن أن يتحول، مع الوقت، من مجرد اختلاف في الاجتهاد إلى مؤشر على إعادة تموضع سياسي.