طيف أول: للظلّ المنكسر، ولهدأة النوافذ، للمسافات التي أغلقتها الحروب، وللحظات التي يصمت فيها كل شيء، وليست قابلة للتأويل.
ولنقل إن دعوة البرهان هذه المرّة خالصة من قلبه الذي لا يسكنه إلا حبّ السلطة، ولا يشغل باله إلا رغبة الحكم؛ إنه يريد أن يهيّئ مناخاً وحواراً وطنياً خالصاً وصادقاً مع القوى السياسية، وأن الجيش سيذهب إلى الثكنات، والأحزاب إلى الانتخابات. تبقى كذبة إبعاد الإسلاميين الثالثة للجنرال، المتعلّقة بمراحل مفصلية. فعندما أعلن انقلابه قال إنّ للإسلاميين لا دور لهم في الانقلاب، وإنّ القوات المسلحة تريد تصحيح المسار، ثم ظهر لاحقاً أن لعلي كرتي مكتباً في القيادة العامة سُمّي بالمكتب السياسي، أعاد كرتي عبره كل الكيزان إلى مواقعهم، واستردّوا كل ممتلكاتهم التي سرقوها من الشعب. وعندما ظهر الإطاري وأشعلوا الحرب، خرج البرهان ليقول: «وين الكيزان ما شايفهم». فخرج البراء بعد يومين ملوّحاً بسبابته ليُثبت أنهم هنا. والآن، في كذبته الثالثة، يقول البرهان إنّ حواره الوطني سيُبعد الإسلاميين من المشهد. والسؤال: كيف يستطيع إبعادهم؟! وقبل أن يبعدهم، هل هو نفسه قادر على أن يخلع عباءة التنظيم؟!
فإبعاد الإسلاميين من المشهد السياسي أمر لا يحدث في ظلّ هذا الوضع الراهن، لأن وجودهم لم يعد مرتبطاً بالمناصب الحكومية، بل أصبح متجذّراً في بنية الدولة نفسها، وفي مفاصل الخدمة المدنية، وفي قوات العمل الخاص، وفي الخلايا الأمنية، وفي لجان الأحياء، وفي الكتائب التي انسحبت لتغذّي صفوفها من جديد، وحتى في مكتبه وفي مجلسه السيادي. والإسلامويون تحوّلوا بعد فشلهم في حسم الحرب إلى تنظيم ظلّ يعمل من الخلف، ويعيد إنتاج نفسه داخل المؤسسات، مما يجعل إزاحتهم بقرار سياسي أمراً مستحيلاً. ولهذا، فإنّ أي حديث عن إبعاد الإسلاميين بلا قيمة، ما لم يتم عبر عملية سلام برعاية دولية تمتلك القدرة على تفكيك شبكاتهم، بآليات ضغط، وفرض ضمانات، والعمل على أدوات مراقبة التنفيذ، وشرعية إخراج القوى التي شاركت في الحرب.
فالمجتمع الدولي، وفق رؤية الحل، قادر على وضع شروط تُبعد كل طرف متورّط، وبهذا يتم إخراجهم من المشهد السياسي بصورة حقيقية لا شكلية. لذلك هم يرفضون الحلّ الدولي، والحوار مع الدعم السريع والرباعية، ويبحثون الآن عن مخرج يجعلهم آمنين. إنهم يختبئون الآن كالفئران خلف واجهة الجيش، حتى لو كلّفهم هذا خسارة الظهور على الواجهة. لذلك فإنّ إبعاد الإسلاميين من الداخل ليس سوى كذبة سياسية، لأن الإسلاميين الذين خاضوا حرباً، وقتلوا الشعب، ودمّروا البلاد، لا يمكن أن يقبلوا بالخروج من المشهد دون ضجيج، ودون مقاومة، ودون صراع. فالفلول التي قاتلت من أجل السلطة لن تتخلى عنها ببيان، ولا تغادرها بقرار، ولا تختفي من المشهد لمجرّد أن الجنرال قرّر إزاحتهم. فهم لا يقبلون الإبعاد إلا عندما يكونون على يقينٍ تام بأنهم ما زالوا موجودين في الملعب، وأنهم يعملون من الخلف، وأن شبكاتهم داخل الدولة لم تُمسّ، وأن وجودهم ما زال قائماً ويمنحهم القدرة على العودة في أي لحظة.
ولهذا يصبح إبعاد الإسلاميين مجرد خطاب للاستهلاك السياسي، لا خطوة حقيقية، لأن التنظيم الذي أعادت الحرب بناءه أصبح أعمق من المناصب، وأقوى من أن يُفكّك دون عملية سلام دولية. فالحوار لوقف الحرب لا تكون له نتائج إلا مع الذين استثناهم البرهان: الدعم السريع وحكومته. فالصراع ما زال بين أطراف الحرب، والحروب لم تضع أوزارها، وما زالت دارفور تعيش تحت القصف والنزوح والانهيار الأمني. لذلك تبدو مظلّة الحوار الوطني التي يروّج لها البرهان مظلّةً مستفزّة للمواطن الذي فقد أهله وبيته وأمانه. فكيف يمكن الحديث عن حوار يسقط أن هناك مأساة مستمرة؟ وكيف يمكن بناء عملية سياسية بينما دارفور تحترق؟ وكيف يتم إقناع الناس بأن هناك حواراً وطنياً بينما الحرب نفسها هي المشروع السياسي الذي يحاول البرهان الحفاظ عليه؟! لذلك فإنّ الحوار الوطني هو عملية انفصال بين الحرب في الميدان والحوار في المنصّات، وهو ما يجعل الخطاب السياسي الحالي فاقداً للشرعية الأخلاقية، لأن أي حوار لا يبدأ بوقف الحرب يصبح مجرد غطاء لإعادة إنتاج السلطة، لا خطوة نحو السلام.
ومحزن أن يشعر المواطن في دارفور بأن هذا الحوار ليس له، ولا يتحدث عنه، ولا يعالج جراحه، بل يتجاهل وجوده تماماً، وكأن دارفور خارج حدود الوطن. ولعلّ أخطر ما في هذه العملية على القوى المدنية التي تشارك بصفتها الشخصية، أن هذه الدعوات ليست للحوار، بل مصيدة سياسية، لأن المدنيين الذين يوافقون على الدخول تحت مظلّته سيجدون أنفسهم منذ اللحظة الأولى شركاء في ذنب كل روح تقتل وكل جريمة تُرتكب بعد ذلك اليوم. فمجرد قبولهم الجلوس معه ينتزع البرهان منهم غطاءً سياسياً لاستمرار الحرب، وفرصة لتقديمها كعملية وطنية تأتي تبريراً لأي انتهاك يحدث لاحقاً. وهذا يعني أن المدنيين الذين يدخلون هذه المصيدة لن يكونوا مجرد أطراف سياسية، بل شركاء في المسؤولية الأخلاقية عن كل ما سيحدث بعد مشاركتهم، لأن البرهان سيستخدم وجودهم ليقول إنّ هذه الحرب ليست حرب الجيش وحده… المدنيون معنا. وهذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث للقوى المدنية: أن تتحوّل من قوة مقاومة للحرب إلى قوة تُستخدم لتبريرها. ولهذا، فإنّ أي مدني يوافق على الدخول في هذا الحوار دون وقف الحرب، ودون ضمانات دولية، ودون عملية سلام حقيقية، سيكون قد وضع توقيعه على صفحة بيضاء سيكتب فيها الجنرال ما يشاء.
طيف أخير:
لا_للحرب
خطف بيان صمود أمس الأضواء، وأعاد للثورة صوتها، وللشارع اليقظ ألقه، وللمدنيين مكانهم في الملعب. رفضٌ صريحٌ للحرب، ولشرعنة السلطة الانقلابية، ولعودة الإسلاميين. كلمات خرجت من قلب الثورة، لا من حسابات السياسة، فأحرجت الفلول التي تقول إنهم فقط يريدون السلطة. فبدلاً من أن يصفّق الشعب لدعوات الحوار، صفق لرفضه… وهذا هو الاستفتاء الحقيقي.