أعمدة ومقالات

عذراً شباب المدنية.. نصيبكم الموت

بثينة تروس

عذراً شباب ثورة ديسمبر. في يوم الشباب العالمي، 12 أغسطس 2026، الذي جاء هذا العام تحت شعار “تمكين الشباب من أجل مستقبل مستدام”، ومن أهدافه المعلنة: التعليم الجيد، والصحة، والإسهام في التنمية، والمشاركة في صنع السياسات واتخاذ القرارات، والاحتفاء بقدرات الشباب في الابتكار.

في العالم يحتفلون بالشباب باعتبارهم طاقة المستقبل الواعدة، ويبحثون عن أفضل السبل لتمكينهم من التعليم والصحة والمشاركة وصناعة القرار.
أما في السودان، فقد اخترتم لنا برنامجاً مستقبلياً للمدنية والحياة الكريمة، في الحرية والسلام والعدالة والمواطنة المتساوية. بينما اختارت لكم الحركة الإسلامية، بجيشها ومليشياتها، الموت. فأنتم حقاً شبابٌ مخيفٌ بوعيكم، وبشجاعتكم، وبسالتكم.

مطالبكم المشروعة فضحت باطل مشروع الحركة الإسلامية، فهم لا يؤمنون بالوطن الذي يُدعى السودان، وإنما بدولة الإخوان المسلمين العالمية، ومسرحها تراب هذا البلد، وضحيتها أنتم. كنتم فئران تجارب لتحقيق أحلام شيوخهم في استعادة عصر “الجهاد الإسلامي”، فساقوكم قسراً إلى معسكرات التجنيد، وتم التضييق على الحريات ومجالات الإبداع والفنون.

والمفارقة أن الجيل الذي أرادوا إخضاعه بالقوة هو نفسه الذي أسقطهم بالسلمية. لذلك كانت حرب 15 أبريل من أجل التصدي لهذا الطوفان الذي لم تخضعه ثلاثون عاماً من كتائب الظل والأمن الشعبي والاعتقالات وبيوت الأشباح والمليشيات. وكل الذي نشهده اليوم من طمس لعظمة الثورة وتشويه للقوى المدنية ما هو إلا انتقام من هزيمتهم، ومحاولة يائسة للحيلولة بينهم والشارع العام.

ولكن هيهات. فالشباب الذين أرادوا قتل ذاكرتهم ظلوا هم أنفسهم يوثّقونها. وبعد أن أرادوا تحويلهم إلى أرقام في كشوفات الاستنفار، وقوداً لـ”حرب الكرامة” المزعومة، وفي عداد الموتى والمفقودين ووجوه غريبة، تفرّقوا في بلدان اللجوء والمنافي، حاملين معهم الثورة. لا باعتبارها ذكرى سياسية، وإنما مشروعاً مطلبياً لا يزال حياً، فظل صوتهم يعلو بالنجاحات.

وتيسّر لي خلال شهرين أن أتابع بعض ما أنتجوه، فزاد ذلك يقيني بعظمة السودانيين، ومقدرات جيل الشباب.

وقد أدهشتني المخرجة المبدعة سارة سليمان ببراعتها وعمق تفكيرها في فيلم “أجساد بطولية”. ومن خلال الفيلم كانت رسالة الوعي بقيمة النهوض من أجل الحقوق، وتحرير الجسد النسوي من القهر المجتمعي والديني الموروث، والكفاح ضد العنف الذكوري وسلطة وهيمنة البيئات الرجعية. وثّق الفيلم لنضالات السودانيات، ولريادتهن في دروب الاستنارة، وأكد أن المرأة السودانية دوماً صانعة ثورة وقرار، رغم إجحاف سلطة الإخوان المسلمين، وطمسهم لتلك المكتسبات، والانتقاص من تلك الحقوق. حتى إنه لم يسبق لحكومة أن أهانت المرأة السودانية كما فعلوا.

وكذلك كان فيلم “الخرطوم” الوثائقي حكاية أخرى لثورة ديسمبر. أخرجه عدد من الشباب المبدعين: تيمية محمد أحمد، وإبراهيم سنوبي، وراوية الحاج، وأنس سعيد، بالتعاون مع المبدع فيل كوكس. خمسة شخوص من مواطني الخرطوم: موظف حكومي، وبائعة شاي، وأحد أعضاء لجان المقاومة، وطفلان من أطفال الشارع. خمس حكايات مختلفة تلتقي عند البحث عن الحرية، والتمرد الذكي، وصراع البحث عن السلام في بلدان اللجوء. فيلم يزيدك يقيناً بأن النزوح والتشرد لا يكبحان جماح الوعي والإبداع.

وبدعوة كريمة من شابة ذكية، كانت آخر مشاهداتي قبل أيام قلائل لفيلم “السودان، تذكرونا” للمخرجة السينمائية الشابة هند مدب، ذات الأصول المتمازجة من بلدان المغرب العربي، والتي تميزت بمتابعة ثورات الشباب وبحثهم عن الديمقراطية والعدالة في المغرب وتونس ومصر والسودان. كان الفيلم عظمة المواقف والبطولات، ونصاعة الفكر ووضوح الرؤية مجسدة في شباب ثورة ديسمبر. وثّق لفترة الاعتصام، وأبرز ذلك النضج السياسي الشبابي الذي لو قُدّر لهذا الجيل أمر إدارة شأن الدولة، لأوجد حلولاً جذرية لمشاكل الحرب والهوية والمواطنة، وكل ما فشلت فيه الحركة الإسلامية.

ومن سخرية الأقدار أن يتزامن مشاهدتي للفيلم الأخير، والاحتفال بيوم الشباب العالمي، مع تصريحات السيد مني أركو مناوي في التبخيس من اعتصام القيادة العامة لثوار ديسمبر، وما أسماه “بالسِّر” بأن الاعتصام كان صنعة خارجية بتمويله ودعمه وإبداعه. وانتشر حديثه الأخير مقروناً بحديث سابق له مدح فيه مقدرات السودانيين والشباب في إنجاح الاعتصام بالوسائل السودانية الخيرة.

المهم في الأمر أن ثمرات الاعتصام وثورة ديسمبر السلمية، ودماء شهداء مجزرة القيادة العامة، رفعت مناوي من متمرد وخائن في نظر الجيش والحركة الإسلامية إلى حاكم. أما المجتمع الدولي فلا نحتاج لقول أكثر من أنه تمرّغ في فضله وخيره ودعمه، حتى جنى ثمار اتفاقية السلام.

وجهل مناوي وحلفاؤه الكيزان ومليشياتهم الجهادية أن المجد ليس للبندقية التي ما نصرت منهم أحداً حتى الآن. وإنما المعركة معركة العدالة والمحاكمات والقصاص في ظل دولة مدنية مجدها السلمية.

عذراً شباب المدنية.. نصيبكم الموت، ولكن رغم كل شيء ما زلتم مخيفين.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة