أعمدة ومقالات

ولا يزال الشعب يحلم بجيش واحد: مليشيا واحدة أنهكت البلاد فكيف سيكون الحال مع عشرات المليشيات؟

بقلم/ إيهاب الأمين

تأسست قوات الدعم السريع رسمياً في عام 2013 بمرسوم رئاسي صدر عن الرئيس المخلوع عمر البشير لتبدأ رحلتها كأداة عسكرية لحماية النظام وتحويل ولاءات البندقية في دارفور إلى مظلة رسمية، وتعود الجذور البنيوية لقوات الدعم السريع إلى مليشيات الجنجويد التي تشكلت في مطلع الالفية من القبائل ذات الاصول العربية في إقليم دارفور واعتمد عليها نظام عمر البشير لشن حرب لمواجهة الحركات المتمردة في الإقليم عام 2003 وتطورت هذه المليشيات لاحقاً وتغيرت مسمياتها من حرس الحدود إلى أن تم تقنينها رسمياً تحت اسم قوات الدعم السريع عام 2013 حيث وضعت تحت إشراف جهاز الأمن والمخابرات الوطني ثم ألحقت مباشرة برئاسة الجمهورية لضمان التبعية المطلقة للقصر الإداري قبل أن يصدر البرلمان قانون قوات الدعم السريع في عام 2017 لتثبيت طابعها النظامي.
واعتمد نظام الكيزان بقيادة البشير على منح قوات الدعم السريع نفوذاً واسعاً وتسليحاً متطوراً وصلاحيات اقتصادية وأمنية كبيرة لأسباب استراتيجية لحماية النظام وعبر عمر البشير بوضوح عن هذه العلاقة بإطلاق لقبه الشهير على قائد القوات محمد حمدان دقلو حميدتي وهو يسميه (حمايتي) في إشارة صريحة إلى دور هذه القوات كدرع أمني شخصي وعسكري للنظام ضد أي محاولات انقلابية داخلية من الجيش او الأجهزة الأمنية الأخرى، بالإضافة إلى إستراتيجية مكافحة التمرد باستخدام قوات خفيفة الحركة وسريعة الانتشار لإنهاك حركات دارفور المسلحة وحسم النزاعات الميدانية لصالح الحكومة بجانب التمكين المالي حيث منحت القوات السيطرة على موارد حيوية مثل مناجم الذهب في جبل عامر بدارفور مما وفر لها استقلالية مالية ضخمة خارج مظلة وزارة المالية والجيش وكان موقف الدعم السريع ملازماً لمصالح قيادته وتبدل التحالفات السياسية فقبل الثورة كانت هذه القوات هي الأداة الضاربة للنظام لقمع الاحتجاجات وحماية المنشآت الحيوية في العاصمة والولايات وأثناء الثورة في أبريل 2019 ومع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية انحاز حميدتي إلى اللجنة الأمنية للنظام وقرر عدم قمع المعتصمين مما ساهم بشكل مباشر في الإطاحة بعمر البشير وتعيين حميدتي نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي.
وشهدت الفترة الانتقالية محطات حرجة ومعقدة أبرزها فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019 حيث وجهت اتهامات واسعة النطاق لقوات الدعم السريع بالمشاركة الرئيسية في فض اعتصام المتظاهرين السلميين أمام مقر القيادة العامة للجيش وهو الحدث الذي أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى وترك شرخاً غائراً في علاقة الشارع بهذه القوات ورغماً عن التوترات قادت التوازنات السياسية والضغط الدولي والإقليمي إلى توقيع الوثيقة الدستورية ليدخل الدعم السريع كشريك أساسي في السلطة الانتقالية بجانب المكون العسكري والقوى المدنية المتمثلة في قوى إعلان الحرية والتغيير وفي 25 اكتوبر 2021 تحالف قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد الدعم السريع حميدتي في الانقلاب العسكري المشترك الذي أطاح بالحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك ورغم هذا التحالف سرعان ما دبت الخلافات العميقة بين الطرفين حول آليات وهياكل دمج قوات الدعم السريع داخل الجيش الموحد والمدد الزمنية المقترحة لذلك ضمن الاتفاق الإطاري وهي الخلافات التي شكلت الفتيل المباشر لاندلاع حرب 15 ابريل 2023 وبدلاً من ان تنحصر المواجهات في الثكنات العسكرية وجهت قوات الدعم السريع فوهات بنادقها مباشرة نحو صدور الشعب السوداني وتحولت الحرب إلى حملة فظائع شاملة ضد المدنيين وثقتها المنظمات الحقوقية وبعثات الأمم المتحدة لتقصي الحقائق واجتاحت ميليشيا الدعم السريع المدن والقرى مرتكبة جرائم تطهير عرقي وابادة جماعية أبرزها ما حدث في غرب دارفور واقتحام مدينة الفاشر ومخيم زمزم للنازحين وشملت هذه الجرائم اعمال القتل المتعمد والاعدامات الميدانية البشعة لآلاف الابرياء والتمثيل بجثثهم وإخفائها في مقابر جماعية لطمس الادلة والهجوم على المنازل في الجزيرة والخرطوم ونهب الأموال والسيارات، وصاحب هذه الموجات استخدام العنف الجنسي واغتصاب النساء والفتيات كأداة لكسر إرادة المواطنين إلى جانب اختطاف المدنيين واحتجاز ما يزيد على 4000 شخص في نقاط تفتيش عسكرية لابتزاز عائلاتهم ومطالبتهم بدفع فديات مالية طائلة عبر حسابات مصرفية محددة مقابل الإفراج عنهم او السماح لهم بالفرار ولم تقتصر الانتهاكات على التصفية الجسدية، بل امتدت لتشمل نهباً منظماً وممنهجاً لأموال وممتلكات المواطنين الابرياء وقام عناصر الدعم السريع باقتحام المنازل السكنية وطرد أصحابها بقوة السلاح وتحويلها إلى ثكنات عسكرية ومراكز انطلاق لعملياتهم مع سرقة ونهب آلاف السيارات الخاصة والآليات والمتاجر ومخازن التجزئة وصاحب ذلك تدمير شامل ومقصود للبنية التحتية والخدمات الأساسية لحرمان السكان من مقومات الحياة الأساسية حيث تم قصف واحتلال المستشفيات والعيادات الطبية وإخراجها عن الخدمة بجانب تخريب محطات توليد الكهرباء وشبكات مياه الشرب وتعطيل أنظمة الغذاء وسرقة مستودعات الإغاثة الإنسانية مما تسبب في فرض مجاعة قسرية على ملايين المحاصرين.
هذه السلسلة الطويلة من الفظائع والجرائم الشنيعة والسرقات الممنهجة أدت إلى تبخر أي شعارات رفعتها القوات حول جلب الديمقراطية وولدت كراهية شعبية جارفة وغير مسبوقة لدى كافة أطياف الشعب السوداني تجاه قوات الدعم السريع وتحول المجتمع بالكامل إلى جبهة مناهضة لوجودها ومطالبة بإنهاء ظاهرة الميليشيات ومحاكمة قادتها دولياً ومحلياً وفي ظل هذه الكراهية الشعبية المتصاعدة تحاول الماكينة الإعلامية التابعة للنظام السابق الكيزان الكذب وتزييف الحقائق عبر بث روايات مضللة تربط قوات الدعم السريع بالقوى المدنية الديمقراطية مثل تنسيقية تقدم في محاولة خبيثة لشيطنة القوى المدنية وعزلها شعبياً وتصوير الصراع على انه تحالف بين المدنيين والميليشيا ضد الدولة وتصطدم هذه الأكاذيب بالواقع التاريخي الثابت الذي يؤكد أن نظام الكيزان هو المنشئ والاب الشرعي والداعم المالي والتشريعي الاول لقوات الدعم السريع طوال عقد كامل وأن الحرب الدائرة ما هي إلا صراع دموي على السلطة والنفوذ بين مراكز القوى العسكرية والأمنية التي زرعها النظام البائد واكتوى بنيرانها الشعب السوداني وحده.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة