طيف أول: اليقين الذي دبَّ بين الحواس لم يتخلَّ عن نوبة فطنته، ولم يفقد إيمانه بالمعنى، لكن روحه لم تُكمل طوافها الأخير.
والدعم الأحادي لا يصنع مساراً سياسياً، ولا يغيّر معادلة داخلية معقدة مثل السودان. فقبل يومين قامت السعودية باستبدال سفيرها في السودان في وقتٍ تتصاعد فيه المعارك وتتسع فيه هوة الصراع، ويغيب فيه أي مناخ سياسي معافى، الأمر الذي يجعل خطوة التغيير لافتة في توقيتها ودلالاتها. فالسفير السابق غادر من بورتسودان، بينما استقبل البرهان السفير الجديد في الخرطوم، في مشهد لا يمكن فصله عن حسابات الرياض في الملف السوداني. هذا التوقيت يوحي بأن السعودية تعيد تموضعها في المشهد، وتعيد تعميق علاقتها مع السلطة القائمة، لكن مدّ اليد السعودية وحدها لن يُصفّق، خصوصاً إذا كان الدعم الدبلوماسي والسياسي يأتي من دولٍ تدعم الحرب في الأساس، في ظل مشهد داخلي مختنق، وقيادة لا تملك قراراً مستقلاً، وقوى نافذة خفية. وبذلك، فإن استقبال السفير الجديد في الخرطوم قد يُقرأ داخلياً كدفعة سياسية للبرهان، أو كرسالة دعم غير مباشرة، لكن المعادلة السودانية اليوم لا تتحرك بإشارة خارجية واحدة، بل بتوازنات معقدة، سيما أن خيوط اللعبة في الداخل تمسك بها الفلول أكثر مما يمسك بها الجنرال، وهي قوى داخلية قادرة على تعطيل أي توجه خارجي، ولأن المشهد السوداني لا يتحرك بإشارة واحدة، بل بتوازنات معقدة لا يستطيع طرف منفرد أن يعيد تشكيلها. وقراءة السعودية للمشهد السياسي السوداني يشوبها القصور؛ فمثل هذا الدعم السياسي لا يُقدَّم في ظل ميدان مشتعل. فتمدد الدعم السريع في عدة مواقع يؤكد أن الميدان يدخل مرحلة ثانية تكشف أنه من غير المنطقي رسم خارطة سياسية في هذا الوضع. فعقلية السلطة المحلية يمكن أن تحلم كما تشاء، وتضع عدة سيناريوهات للحكم المستقبلي حتى لو على شفا جرفٍ هار، لكن أن يراود ذات التفكير حكومة المملكة أو أي دولة إقليمية أخرى، فهذا يكشف بوضوح أن الطموح السياسي لا يختصر على رغبة الجنرال. ومع ذلك، يبقى الطموح المشترك يصطدم بكلمة الأرض؛ فالمعارك يمكن أن تطول، فما حققه الدعم السريع بالأمس يمكن أن يحققه الجيش غداً. لكن ما يحدث يكشف خطراً أكبر، وهو تدفق السلاح من جديد لطرفي الحرب وحصولهما على إمداد عسكري. وهذا يؤكد أن الحرب تدخل مرحلة ثانية أشد خطورة. فالمعركة لم تعد حرب استنزاف، بل حرب إعادة بناء القوة لكلا الطرفين، ما ينذر بجولة قادمة ربما ستكون أكثر اتساعاً، لأن كل طرف لايسعى لفرض نفوذه بل نفوذ خارجي ، ولالإثبات وجوده بل وجود آخر في ميدان أصبح مفتوحاً على احتمالات أكبر من قبل. وما يحدث الآن يحمل كل ملامح حرب المحاور، حتى لو اختلفت عمّا حدث في سوريا واليمن وليبيا. ففي السودان، المحاور الآن لا يهمها الدولة ولا المواطن؛ هي تريد الجغرافيا، والموانئ، والممرات، والحدود، والموارد، والموقع الاستراتيجي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وهذا أخطر شكل من أشكال الحروب، لأنه يجعل السودان ساحة صراع لا دولة. فعندما تتحول حرب السودان إلى حرب محاور، فإنها تفقد شروط النهاية الطبيعية للحروب، ويصبح لا فرق بين اليوم 218 بعد الألف وبين يوم 15 أبريل، لأن الإمداد الخارجي يعيد بناء القوة ويجدد الرغبة في القتال لدى الطرفين، وأن الإنهاك الطبيعي للطرفين لم يعد عاملاً حاسماً، فدخول المحاور الخارجية يجعل الحرب قابلة للاستمرار. ومعلوم أن السعودية تستخدم “الدعم السياسي” للبرهان كأداة ضغط، لا كأداة حرب؛ فهي بلا شك لا تريد التورّط في حرب داخلية في السودان، ولا تريد أن تظهر كطرف في صراع إقليمي، ولن تتحمّل كلفة مواجهة مع الإمارات أو إثيوبيا، أو أن تُفتح عليها أبواب اتهامات دولية في ملف معقّد مثل السودان، سيما أنها لم تتعافَ من تجربة اليمن، فلا يمكن أن تتورّط في حرب لا يمكن السيطرة عليها. لذلك هي تدعم البرهان سياسياً لأنها ترى فيه فقط الطرف الممكن، وليس الطرف المثالي. إذن، طالما أن تدخلها عسكرياً غير ممكن، إلى أي مدى يمكن أن تصمد خطة دعمها السياسي في حال توغلت قوات الدعم السريع أكثر؟! وما هو مستقبل دورها في السودان؟ أين يمكن أن تتوقف الرياض وأين يمكن أن تنسحب؟ فخطة دعم السعودية للبرهان سياسياً قد لا تتوقف ، لأن الدعم السريع لا يهدد البحر الأحمر ولا يغيّر ميزان القوى بشكل جذري، لكن الأخطر الذي قد لا تضعه في الحسبان هو أن تغيّر موازين الأرض موازين السياسة. فأي تقدم جديد على الأرض من قبل الدعم السريع سيشكل ضغطاً على البرهان، ويعمل على حرق ورقة السعودية الأساسية، وهذا يجعل الدعم السعودي أقرب إلى ورقة سياسية مؤقتة لا إلى تحالف طويل الأمد. طيف أخير:
لا_للحرب
قال وزير المياه والطاقة الإثيوبي أمس، هابتامو إيتيفا، إن تدفق مياه النيل بجهة المصب سيكون تحت سيطرة بلاده، واتهم مصر بالوقوف خلال السنوات الماضية وراء ما وصفه بـ«الحملات المضللة» التي استهدفت تقييد إثيوبيا ومنعها من بناء سد النهضة والاستفادة من مياه النيل. تصريحات تعيد خلاف سد النهضة إلى الواجهة.