في خضم التحديات الاقتصادية التي يمر بها السودان، تتعالى بين الحين والآخر الأصوات المنادية بحذف الأصفار من العملة باعتباره حلاً للأزمة الاقتصادية. غير أن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن قوة الاقتصاد لا تُبنى بالأرقام المطبوعة على الأوراق النقدية، وإنما تُبنى بالإنتاج والعمل واستثمار الموارد. فحذف الأصفار قد يغيّر شكل العملة، لكنه لا يغيّر واقع الاقتصاد ما لم يصاحبه نمو حقيقي في الإنتاج وزيادة في الصادرات وتحريك لعجلة التنمية. إن السودان ليس بلداً فقيراً في موارده، بل هو من أغنى دول المنطقة بما حباه الله من أراضٍ زراعية شاسعة، ومناخ متنوع صالح لإنتاج مختلف المحاصيل على مدار العام، فضلاً عن وفرة المياه من الأنهار والروافد والأودية والخيران. ويكفي السودان فخراً أنه يحتضن نهر النيل العظيم، شريان الحياة الذي يمثل ثروة استراتيجية قادرة على إحداث نهضة زراعية واقتصادية غير مسبوقة إذا أُحسن استغلالها. إن الطريق إلى التعافي الاقتصادي لا يمر عبر حذف الأصفار من العملة، وإنما عبر التوسع في الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي. فكل فدان يُزرع، وكل مصنع يدور، وكل مشروع إنتاجي ينهض، يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني ويخلق فرص عمل ويزيد الدخل القومي ويعزز استقرار العملة. أما الإجراءات الشكلية التي لا تستند إلى قاعدة إنتاجية قوية، فإن أثرها يظل محدوداً ومؤقتاً. لقد أثبتت تجارب الأمم أن الثروة الحقيقية تُصنع في الحقول والمصانع ومراكز البحث والتطوير، لا في المطابع التي تنتج الأوراق النقدية. وعندما يصبح السودان سلة غذاء حقيقية للمنطقة والعالم، وعندما تُستثمر موارده الزراعية والمائية بصورة علمية ومدروسة، فإن قيمة العملة سترتفع تلقائياً، وسيتحقق الاستقرار الاقتصادي المنشود. إن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية وطنية تضع الإنتاج في مقدمة الأولويات، وتوجه الموارد نحو دعم المزارعين وتطوير البنية التحتية الزراعية وتشجيع الاستثمار وتحفيز الصناعات التحويلية. فالإنتاج هو مفتاح القوة الاقتصادية، وهو السبيل الأمثل لزيادة الصادرات وتقليل الواردات وتحقيق الاكتفاء الذاتي. السودان يمتلك الأرض الخصبة، والمياه الوفيرة، والإنسان القادر، والموقع الاستراتيجي المتميز. وما يحتاجه اليوم ليس حذف الأصفار من العملة، بل إزالة العقبات أمام الإنتاج، وإطلاق طاقات التنمية، وتحويل الموارد الهائلة إلى ثروة حقيقية تنعكس على حياة المواطنين واستقرار الوطن. فالأمم لا تنهض بتغيير شكل العملة، وإنما تنهض حين تتحول مواردها إلى إنتاج، وإمكاناتها إلى إنجاز، وأحلامها إلى واقع مزدهر. Adam0128855131@gmail.com