أوصل الكيزان البلاد لـ(مبتغاهم) من خلال هذه الحرب التي أشعلوها بصناعة (الفوضى) التي لا يعرف أحدٌ مداها أو حدود الأمان الذي يمكن التمتع به بعد إضعافهم للقوات المسلحة والشرطة والقضاء، وأصبحت المليشيات المتعددة من إسلامية ودارفورية وبعض الانتهازيين وتجار الحرب والمخدرات هي المتحكمة في قرار الحرب والأمن والقانون، بينما تحولت قيادات الجيش للاحتفاليات والترف واستقبال (القونات) واللهث وراء التجارة وجمع الأموال، وتحول وزراء حكومة (الهمل) إلى مجموعات تتناحر فيما بينها وتفكر فقط في نعيم وأموال الدنيا الزائلة ومحاولات (ترقيع) الأمور حتى يقال إن هناك حكومة، بينما المواطن المسكين هائم يحاول (النجاة) وسط هذه الفوضى.
وحتى تتم التهيئة لمناخ حوار حقيقي فليطلق (البرهان) إن كان صادقاً وجاداً في ذلك الحوار أولاً سجناء (الرأي) من المعارضين له من السجون، ويمنح لجان المقاومة حرية التظاهر بلا قمع أو تضييق أو اعتقالات، فحرية التعبير لا تتم فقط من خلال القاعات المغلقة بل من خلال مناخ عام للحريات يشارك فيه الشارع، فالضمانات للمشاركين لا تتم بقراراته وحدها بل بالإحساس بأن حتى الشارع يحرسهم أيضاً بلا رصاص أو غاز مسيل للدموع أو ضرب ومطاردات وإرهاب. والإحساس حتى الآن بأن ذلك الحوار المفترض ما هو إلا محاولة لجذب أكبر عدد من المعارضين بالخارج وهم الغالبية إلى الداخل، ثم سيكون بعد ذلك (لكل حادث حديث)، ومهمة اللجنة التي حاولت التوازن في خطابها الأول ستكون عسيرة وشاقة بإقناع الراغبين في المشاركة، رغم قناعة بعضهم بأهمية الحوار ليس من أجل إنقاذ الانقلاب أو تثبيت الكيزان أو دعم الحركات بل من أجل الوطن الذي انهار تماماً وفي طريقه للانقسام والتشظي وإحياء نضال ثورة ديسمبر من الداخل، وهو ما يجعل من مهمة تلك اللجنة قاسية بل ومستحيلة إن لم تؤكد القضاء على الفوضى المستشرية، وأن حرية الشارع والمعارضة مكفولة قبل حرية القادمين من الخارج.
تأكيد من العصب وسط الدعوات للحوار وضمانات حرية التعبير الكذوبة، اعتقلت السلطات الأمنية سكرتير نقابة أطباء السودان بالقضارف مع وجود العشرات مثله داخل السجون (نملك قوائم بهم).. ألم نقل إن البرهان عاجز عن تنفيذ وعوده وسط هذه الفوضى..؟ وثورة ديسمبر تظل عملاً مستمراً. وأبواب المحاسبة يجب أن تظل مفتوحة. ويظل السير في خطى شهدائنا الأبرار هو النبراس