يقول أنس بن مالك رضي الله عنه خادم نبينا الكريم أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «متى الساعة يا رسول الله؟» قال: «وما أعددتَ لها؟» قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: «فإنك مع من أحبتَ». قال أنس بن مالك: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنك مع من أحببت». قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل بمثل أعمالهم. فالشاهد في هذا الحديث أن المحبة لها فضل كبير. كما دل الحديث أن ثمة اختلاف بين المحبة والطاعة. المحبة أعلى درجة من الطاعة وذلك لسببين: الأول أنها تجعلك مع من تحب، وإن كنت لا تعمل أعمالهم، فيا حظ من يحب الصالحين سيحشر معهم بنص الحديث، وإن كان لا يكثر من الصالحات مثلهم. والسبب الثاني في الاختلاف بين المحبة والطاعة هو أن الطاعة يمكن أن يقوم بها المرائي والكذاب والمنافق فقد يستطيع أن يصلي ويصوم ويزكي ويحج بل ويتصدق لكنه لا يستطيع وهذه صفاته أن يحب الرسول الكريم وصحابته الكرام ولو مقدار حبة خردل؛ لأن الحب شي في القلب لا يستطيع أحد أن يتصنعه بعكس الطاعات التي تقوم بها الجوارح إذ يمكن للإنسان أن يتحكم فيها؛ لتحقق له أغراضه التي يمكن أن تكون ليست خالصة لله الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق مع الحب. كما أن الحب لا يترتب عليه عمل، وإنما هو أمر يتعلق بالقلب فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديثه: عن عبد الله بن هشام قال: «كُنَّا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو آخِذٌ بيَدِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فقال له عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، لَأنتَ أحَبُّ إليَّ مِن كُلِّ شَيءٍ إلَّا مِن نَفسي، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا، والذي نَفسي بيَدِه، حتَّى أكونَ أحَبَّ إليك مِن نَفسِك، فقال له عُمَرُ: فإنَّه الآنَ، واللهِ لَأنتَ أحَبُّ إليَّ مِن نَفسي، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: الآنَ يا عُمَرُ» فالشاهد في هذا الحديث أمران: الأول أن رسولنا الكريم لم يطلب من سيدنا عمر أن يقوم بعمل حتي يكتمل إيمانه، وإنما في الحال وفي ذات اللحظة حينما قال عمر أحبك أكثر من نفسي قال له رسولنا الكريم الآن. الأمر الثاني أن الإيمان لا يكتمل إلا بالحب الخالص لنبينا الكريم. نخلص من ذلك أن الحب درجة عالية لا يثبتها العمل، فهو أعلى من الطاعة إذ هو أمر معنوي. وليس في هذا تقليل للطاعة إطلاقا، وإنما هو تبيان الاختلاف بين كلا الأمرين فقد قال رسولنا الكريم بشأن الطاعة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». ولما ورد، فمن كان هناك من ينكر على من يعبرون عن حبهم لرسول الله بأمور مبتدعة، وما أنزل الله بها من سلطان، فلا بأس لهم في هذا الإنكار إذ أن الدين بالاتباع لا بالابتداع. لكن أن يضعوا مقام المحبة في مقام الطاعة، فهذا فضلا عن أنه غير صحيح، فإنه كذلك لا يشفي صدر من يتعلق بحب النبي صلى الله عليه وسلم إذ أن الحب كما ورد يختلف عن الطاعة. فمن أراد أن ينكر الأساليب المتبعة لحب النبي صلى الله عليه وسلم، فليمارس نشاطا وسلوكا يدل على الحب هنا الأزمة. ولعل من صفات المحبين:
الشوق لدرجة الوله لملاقاة، ومشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم.
الإكثار من الصلاة عليه في كل وقت وحين.
حب من يحبه عليه الصلاة والسلام، وإن كان حبه للنبي فيه تجاوز. وقطعا لا يقصد بالتجاوز هنا تأليه رسولنا الكريم أو إطراؤه مثل ما فعل النصارى مع النبي عيسى عليه السلام.
التواضع وخفض الجانب واللين والرفق مع من يمارس ممارسات تتعارض مع طاعة نبينا الكريم.
التأثر بالآيات في القرآن الكريم التي تمدح نبينا الكريم، والتفاعل معها لدرجة أن يظهر ذلك على سلوك من يحب من تكرار لها وخشوع وتبتل وبكاء. إن المفارقة العظيمة التي يقع فيها البعض، وهنا مربط الفرس هي أن محبة النبي صلى الله عليه عليه وسلم تكون بإظهار هذه المحبة. أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى. أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدار وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي. وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا لا تكون المحبة في محاربة البدع إذ ان محاربة البدع تدخل في طاعته صلى الله عليه وسلم. إن محبة نبينا الكريم عشق لا يعرف سببه، ولا يشرح، ولا يقدم له دليل، فمن أراد ان يشعر بهذا العشق، فليطبقه، فليمارسه لا يقوم بدلا من ذلك بأن يهاجم من يبتدع في هذا العشق، فإن ذلك ليس بمحبة. لا يَعْرِفُ الشَّوْقَ إِلَّا مَنْ يُكَابِدُهُ … وَلَا الصَّبَابَةَ إِلَّا مَنْ يُعَانِيهَا وَلَا يَسْهَرُ اللَّيْلَ إِلَّا مَنْ بِهِ أَلَمٌ … وَلَا تُحْرِقُ النَّارُ إِلَّا رِجْلَ وَاطِيهَا
لا يقوم بدلا من الحب بذكر الطاعات، فالطاعات تختلف عن المحبة. فالأصل في كل ما ذكر هو معرفة قدر المحبة. لا الأصل مهاجمة المبتدعين. فإن تم مهاجمة المبتدعين من باب مخالفتهم للطاعة، فإن هذا الهجوم ليس في محله إذ ان المحبة أعلى مرتبة من الطاعة. والأمر الأخطر من هذا الهجوم هو جعل مكانة المحبة شاغرة وهنا هو الخطر الخفي. خطر أعظم من خطر المبتدعة. إذ أن الاهتمام بالطاعة لا يعني الاهتمام بالمحبة. فإن كان المبتدعة أحبوا بابتداع. فإن من يهاجومنهم دون أن يمارسون المحبة، ودون أن تظهر على سلوكهم، فجرمهم أكبر وأفحش، وذلك بسبب أن المحب سيصل مرتبة لا يصل إليها غيره. اللهم حببنا في رسولنا الكريم. اللهم حببنا في من يحب رسولنا الكريم. اللهم احشرنا معهم بجودك، وكرمك، وفضلك يا رب.