أعمدة ومقالات

لا تُهدروا حياد الاتحاد على عتبة حوار يملكه طرف في الحرب

لدى مفوضية الاتحاد الأفريقي

  عروة الصادق

تلقينا بقلق بالغ البيان الصادر عن رئاسة مفوضية الاتحاد الأفريقي في 31 أغسطس 2026، المرحب بما سمته «مبادرة الحوار السوداني–السوداني داخل السودان»، والقائل إن هذه المبادرة تعزز خارطة طريق الاتحاد الأفريقي ومسار الآلية الخماسية؛ وقلقنا هنا يتجاوز اختلافًا سياسيًا حول مبادرة أو لجنة أو مكان اجتماع، ويمس موقع الاتحاد الأفريقي نفسه، وصدقية مؤسساته، ورصيده وسيطًا قاريًا يفترض أن يقف على المسافة ذاتها من أطراف الحرب ومن مشاريع إنتاج الشرعية بالقوة.

فالوسيط يفقد أثمن ما يملك يوم يمنح حكمه قبل اكتمال الفحص، وتصبح مهمته أكثر صعوبة يوم يصف عملية سياسية بأنها امتداد لخارطة طريقه قبل أن يثبت استقلالها، وشمولها، وحرية المشاركة فيها، وصلتها بإنهاء الحرب، وقدرتها على الوصول إلى السودانيين خارج مناطق سيطرة الجهة التي أطلقتها.

ومفوضية الاتحاد تعرف أكثر من غيرها أن تسمية العملية «سودانية–سودانية» لا تكفي لإثبات ملكيتها الوطنية؛ فالملكية السودانية تقاس بمن يملك تصميم العملية، وتحديد أجندتها، واختيار المشاركين فيها، وضمان حريتهم، وتمويلها، وتأمينها، وتنفيذ مخرجاتها، كما تقاس بقدرة النازح في دارفور، واللاجئ في تشاد أو مصر أو أوغندا، والمواطن في مناطق سيطرة الدعم السريع، والمعارض السياسي الموجود خارج البلاد، والنساء والشباب والضحايا، على المشاركة بالحق نفسه الذي يملكه المقيم داخل المجال الخاضع لسلطة بورتسودان

المكان داخل السودان وحده لا يصنع ملكية سودانية؛ وقد يتحول المكان نفسه إلى أداة إقصاء إذا كانت مفاتيحه الأمنية والسياسية والقانونية بيد أحد أطراف النزاع

وهنا يبدأ التناقض الأخطر في بيان المفوضية

مجلس السلم والأمن الأفريقي أدان في 26 أكتوبر 2021 استيلاء العسكريين على السلطة، ووصف ما جرى صراحة بأنه تغيير غير دستوري للحكومة، وقرر تعليق مشاركة السودان في أنشطة الاتحاد إلى أن تستعاد سلطة انتقالية يقودها المدنيون؛ وهذا موقف تأسيسي ما زال أثره القانوني والسياسي قائمًا، وقد أوضح رئيس المفوضية السابق موسى فكي بنفسه أن سلطة رفع هذا التعليق تقع عند مجلس السلم والأمن، خارج اختصاص المفوضية ورئيسها منفردين.

ومن ثم يبرز سؤال يصعب تجاوزه: كيف تنتقل المفوضية من مؤسسة ملتزمة بقرار قاري يعتبر أصل السلطة الناتجة عن 25 أكتوبر أزمة في النظام الدستوري، إلى جهة تمنح ترحيبًا سياسيًا مسبقًا بمسار أُطلق داخل المجال الذي تديره السلطة التي نشأت بعد ذلك الانقلاب، من دون بيان الضمانات التي تمنع الحوار من أن يصبح طريقًا لإعادة إنتاج شرعيتها؟

الاتحاد الأفريقي نفسه رسم الإجابة منذ مايو 2023، فقد وضع خارطة من ستة أركان تبدأ بتنسيق الجهود، ووقف شامل ومستدام للقتال، والاستجابة الإنسانية، وحماية المدنيين، ودور دول الجوار، ثم استئناف عملية سياسية موثوقة وشاملة تقود إلى حكومة مدنية ديمقراطية؛ كما شدد مجلس السلم والأمن على وجود عملية سلام واحدة، شاملة، ومتماسكة تمنع تكاثر المسارات المتنافسة.

وفي أبريل 2024م أعاد المجلس تثبيت المعادلة نفسها، وقف الحرب، ثم عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة وتنتج حكومة انتقالية مدنية توافقية؛ وفي أكتوبر وديسمبر 2025م أعاد التأكيد على الحوار الشامل وعلى استعادة الحكم المدني الديمقراطي؛ ثم جاء اجتماعه الوزاري في 12 فبراير 2026م ليطالب مرة أخرى باستعادة حكومة مدنية منتخبة، ويربط الهدنة الإنسانية ووقف إطلاق النار بإطلاق حوار سوداني شامل في المسارين الأمني والسياسي.

هذه ليست هوامش يمكن تجاوزها ببيان إعلامي؛ إنها العقيدة السياسية والقانونية التي بناها الاتحاد نفسه تجاه الأزمة السودانية

والأكثر إثارة للاستغراب أن الآلية الخماسية التي استند إليها بيان المفوضية كانت قد أعلنت قبل ثلاثة أسابيع فقط، في 6 أغسطس 2026، استمرار مشاوراتها مع القوى السياسية السودانية، وأكدت أن التشاور الواسع والشامل شرط لبناء الثقة والشرعية والفهم المشترك اللازم لإطلاق عملية سياسية ذات صدقية وملكية سودانية؛ ثم يأتي بيان 31 أغسطس ليقرر، قبل اكتمال تلك المشاورات، أن مبادرة بعينها «تعزز» مسار الخماسية.

بأي قرار اتُّخذ هذا الربط؟

وهل تشاورت المفوضية مع بقية أعضاء الخماسية قبل أن تنسب المبادرة إلى مسارهم المشترك؟

وهل أجرت تقييمًا لاستقلال اللجنة التي وصفها البيان بأنها «مستقلة»؟

ومن اختبر استقلالها؟

ووفق أي معايير؟

ومن اختار أعضاءها؟

ومن يملك تعديل تشكيلها؟

ومن يمول أعمالها؟

ومن يضمن أمن المشاركين؟

ومن يحدد جدول الأعمال؟

ومن يملك القرار إذا اختلفت اللجنة مع السلطة القائمة؟
هذه أسئلة مؤسسية، والإجابة عنها تسبق منح صفة الاستقلال، لأن الاستقلال وصف يحتاج إلى دليل، لا مجاملة سياسية تمنح في بيان صحفي

ثم إن أي عملية سياسية تتجاهل البنية الفعلية للحرب تحمل تناقضها داخلها؛ فطرفا الحرب يملكان السلاح وسلاسل القيادة ومساحات السيطرة، ووقف الحرب يحتاج إلى مسار تفاوضي يتعامل معهما في وقف العدائيات والترتيبات الأمنية وحماية المدنيين، أما كتابة مستقبل الدولة واختيار سلطتها الانتقالية فتحتاج إلى فضاء مدني مستقل عن هيمنة السلاح.
-؛ما الذي يستطيع «حوار داخل السودان» تديره بيئة يسيطر عليها أحد طرفي الحرب أن يفعله تجاه الطرف العسكري الآخر؟

كيف سيوقف إطلاق النار؟

كيف سيعالج خطوط التماس؟

كيف سيصل إلى مناطق خارج سيطرة بورتسودان؟

كيف سيعيد النازحين؟

كيف سيمنع استمرار تكوين سلطتين متوازيتين؟
-:وكيف يستطيع مسار يعجز عن مخاطبة بنية الحرب أن يقدم نفسه طريقًا لإنهائها؟

الخطر هنا أن يتحول الحوار من أداة لإنهاء الحرب إلى أداة لتنظيم أحد معسكريها سياسيًا، ثم يُعاد تقديم هذا التنظيم باعتباره إجماعًا وطنيًا، وتنتقل الحرب من ساحة القتال إلى معركة الاعتراف والشرعية.

وهذا تحديدًا ما ينبغي للاتحاد الأفريقي أن يمنعه، لأن وظيفته في السودان أوسع من مباركة الاجتماعات؛ وظيفته حماية إمكانية الوصول إلى تسوية يثق بها المختلفون، والوسيط الذي يستهلك حياده في البداية يكتشف لاحقًا أنه فقد القدرة على جمع الأطراف عند اللحظة التي يصبح وجوده فيها ضروريًا.
● كما أن عبارة «الحوار داخل السودان» تحتاج إلى مراجعة أعمق؛ فالحرب أخرجت ملايين السودانيين من مدنهم وقراهم وبلادهم، وأصبح اللجوء والنزوح جزءًا من الخريطة السياسية والاجتماعية للسودان، ومن ثم فإن حصر الشرعية السياسية في الجغرافيا الواقعة تحت سيطرة طرف عسكري يعاقب ضحايا الحرب مرتين، مرة بإخراجهم من ديارهم، ومرة بإضعاف وزنهم في تقرير مستقبلها.

السوداني الذي أخرجته الحرب من بلاده لم يفقد نصيبه في الوطن عند المعبر الحدودي.

والاتحاد الذي يتحدث عن «الملكية السودانية الخالصة» مطالب بأن يحمي هذه الملكية من أن تختزل إلى ملكية من يستطيع الوصول إلى قاعة يتحكم أحد طرفي الحرب في مجالها الأمني والقانوني.

ثم توجد مسألة إجرائية تستحق توضيحًا رسميًا من المفوضية؛ فالنسخة العربية المنشورة على الموقع الرسمي تبدأ بعبارة «مسودة بيان»، بينما يظهر في النسخة المصورة موضع رقم البيان خاليًا بصيغة Press Release No: __/2026، ومع ذلك نُشر النص على منصة الاتحاد الرسمية بوصفه بيانًا صحفيًا؛ وهذه ملاحظة تتجاوز الشكل، لأن بيانًا يمس مسار وساطة بالغ الحساسية ويربط مبادرة سياسية بمسار قاري ودولي يستحق أن يعرف السودانيون من أجازه، وتحت أي تفويض، وهل النص المنشور نسخة نهائية أم مسودة انتقلت إلى النشر قبل اكتمال اعتمادها.

ونقول لرئاسة المفوضية بوضوح كامل: الاتحاد الأفريقي أكبر من أن يتحول إلى جهة تصديق مبكر على مسارات يصممها أصحاب القوة، وأثمن من أن يُستهلك رصيده المؤسسي لتغطية ترتيبات لم تجتز بعد اختبار الحياد والحرية والشمول.

ونحن نؤيد حوارًا سودانيًا حقيقيًا، ونؤيد ملكية السودانيين لعملية السلام، ونؤيد دورًا أفريقيًا قياديًا قويًا؛ وهذه المبادئ نفسها هي التي تجعل الاعتراض على هذا البيان واجبًا، لأن الحوار الحقيقي يبدأ من شروط الحرية، والملكية الحقيقية تبدأ من استقلال القرار، والوساطة الحقيقية تبدأ من الامتناع عن توزيع شهادات الشرعية قبل اكتمال العملية.
● ومن هنا نطالب مفوضية الاتحاد الأفريقي بخطوات واضحة؛ إصدار توضيح رسمي يحدد الطبيعة القانونية والسياسية لبيان 31 أغسطس، وبيان ما إذا كان الترحيب يعني دعم مبدأ الحوار أم اعتماد المبادرة الحالية، والكشف عن الأساس الذي استند إليه ربطها بمسار الخماسية، والتشاور العاجل مع القوى السودانية التي أعلنت تحفظها ورفضها لهذه الصيغة، وإعادة تثبيت خارطة الاتحاد بكامل أركانها، وفي مقدمتها وقف الحرب وحماية المدنيين واستعادة المسار المدني الدستوري، ووضع معايير معلنة للاستقلال والشمول والتمثيل وحرية المشاركة قبل الاعتراف بأي منصة باعتبارها عملية وطنية.

كما نطالب الخماسية نفسها بتوضيح موقفها؛ فاسمها ورد في بيان المفوضية، وأي صمت طويل قد يُقرأ باعتباره قبولًا بربط مسارها بمبادرة لم تعلن الخماسية نفسها اعتمادها حتى الآن.

المطلوب من الاتحاد الأفريقي هنا أن يعود إلى قوته الأصلية، إلى ميثاقه، وقرارات مجلس السلم والأمن، وخارطته التي وضعت وقف الحرب واستعادة الحكم المدني في قلب الحل، وإلى المبدأ الذي جعل أفريقيا تقاوم الانقلابات لعقود: السلاح يستطيع فرض واقع، لكنه لا يملك وحده حق إنتاج الشرعية.

وإذا بدأ الاتحاد بالتساهل مع هذه القاعدة في السودان، فالقضية ستتجاوز السودان نفسه؛ لأن كل قائد عسكري في القارة سيراقب السابقة، وكل انقلاب مستقبلي سيقرأ الرسالة بالطريقة ذاتها: استولِ على السلطة، اصمد بما يكفي، اصنع لجنة حوار، ثم انتظر بيانًا يصف العملية بأنها وطنية.

تلك ليست وساطة.

تلك وصفة لتحويل الأمر الواقع إلى مدرسة سياسية أفريقية.

ونحن نريد للاتحاد الأفريقي أن يبقى حارسًا للقاعدة التي تمنع هذه المدرسة من أن تولد.

إن السودان يحتاج إلى الاتحاد الأفريقي وسيطًا قويًا، نزيهًا، صارمًا، قادرًا على مخاطبة الجميع؛ ولذلك تحديدًا نحذره من الوقوف خطوة واحدة أقرب إلى أي طرف مما تسمح به قواعد الوساطة.
فالحياد هنا لا يعني الصمت أمام الانقلاب أو الحرب أو الانتهاكات، وإنما يعني الوفاء الصارم للمعايير نفسها مع الجميع، والوقوف مع المدنيين، ومع إنهاء الحرب، ومع الشرعية الدستورية، ومع عملية يستطيع كل سوداني أن يرى فيها حقه، بدل أن يرى يد الطرف الذي صممها.
ومن يريد أن يساعد السودان على الخروج من الحرب، فعليه أولًا أن يمتنع عن منح أحد أطرافها حق تعريف السلام وحده.
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تتوقف عندها مفوضية الاتحاد الأفريقي الآن، قبل أن تتحول زلة بيان إلى انحياز في المسار، ويتحول الانحياز إلى فقدان للثقة، ثم يجد الاتحاد نفسه خارج العملية التي كان ينبغي أن يقودها.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة