وقبل أن يأتي قليلُ الآخرين هذا، وقبل أن تُلجم الدهشةُ لسانَ ابن الخطاب، وقبل أن يميط نبيُّ الإسلام اللثامَ عما سيأتي من جهة السودان لاستكمال ثُلَّة دين الختام، كانت هناك أيضًا هذه اللوحة التي رسمتها الأديان الأقدم عن اسم السودان الأكثر قدمًا في التاريخ. تقول المزامير: «ستأتيك يا الله أشرافُ مصر، وتُسرع كوش بهداياها إليك، أنشدوا لله يا ممالكَ الأرض، رتِّلوا للرب كلَّ الترتيل». ويقول سفرُ صفنيا: «لأني حينئذٍ أحول الشعوب إلى شفةٍ نقيةٍ، ليدعوا كلُّهم باسم الرب، ليعبدوه بكتفٍ واحدة، من عبر أنهار كوش المتضرعون إليَّ، متبدِّديَّ يُقدِّمون تقدمتي». وهكذا حكى أيضًا إشعياء النبي في سفر الرؤيا قائلاً: «فترى عيونُكم أورشليم، تراها مسكنًا مطمئنًا، خيمةً لا تُنقل من مكانها، وأوتادُها لا تُقلع إلى الأبد، وحبلٌ من حبالها لا ينقطع، حيث الربُّ يُظهر عظمتَه، وحيث الأنهار والضفاف الواسعة». المهم، قبل هذا الحصاد المرهون بتمام الزهر، وعندما يصير الزهرُ حصرمًا نضيجًا كما وصف السفر، ستُقطع القضبان بالمناجل، وتُنزع الأفنان، ثم تُطرح، قبل أن تُترك لتصيف وتشتو عليها جوارحُ الجبال ووحوشُ الأرض، تقريبًا على نحو ما نحن عليه اليوم. ليعطي السفر من بعدُ لقاطني الأرض طُرًّا علامةً أخرى تشير إلي حدث مهم سيأتي، وهو يقول: «عندما ترتفع الراية على الجبال تنظرون، وعندما يُضرب بالبوق تسمعون». ولذا أتصوَّر أن كلَّ ما يجري حاليًّا ليس سوى مقدِّمات صغيرة، بما فيها هذه الحرب، للراية التي سنراها ترتفع فوق جبالنا المقدَّسة الثلاث، وللبوق الذي سنسمع دويَّه ولو بعد حين. إذ سترتقي هذه الأحداث في طورٍ من أطوارها بالسودان إلى قوةٍ عظمى لا يُستهان بها في هذا العصر، تؤهِّل أهلَه من ثمَّ للاطلاع بدورهم المرتقب في إعانة أمة النبي محمد على استكمال ثُلَّتها المشار إليها بسورة الواقعة. وسيأتي ذلك في وقتٍ ينبغي أن تُسرع فيه كوش بهداياها إلى الرب، ولتنشد من كافة ممالك الأرض القائمة، بأن ترتِّل إلى الله بكلِّ التراتيل، التي ستمهِّد السبيل لتحويل كافة الشعوب إلى شفةٍ نقيةٍ، ليدعوا كلُّهم باسم الرب الواحد، وليعبدوا الله بكتفٍ واحد، على اختلاف معتقداتهم ومذاهبهم وأديانهم. لكن السؤال: من أيِّ محرابٍ ستدعو شعوبُ الأرض قاطبةً ربَّها بتلك الشفة النقية؟ يجيب النبي صفنيا: إن المتضرِّعين (الذاكرين)، والمتبدِّدين (أهل الفناء) من الكوشيِّين، هم من سيقدِّمون تقدمة الله. وهنا يصف إشعياء في سفر الرؤيا هذا المكان، مكان العبادة بكتفٍ واحد وشفةٍ نقية، بأنه: «خيمة لا تُنقل من مكانها، وأوتادها لا تُقلع إلى الأبد، وحبلٌ من حبالها لا ينقطع، حيث يُظهر الرب عظمتَه في مكانٍ سِمَتُه البارزة وجودُ الأنهار والضفاف الواسعة». وللحقيقة، ثمة لحظاتٌ في تاريخ الأمم لا يعود التاريخ فيها مجرَّدَ ما حدث، إنما قد يصبح ما ينبغي أن يُفهم. لحظاتٌ لا تكفي لقراءتها عينُ السياسة، ولا خرائطُ الجغرافيا، ولا دفاترُ الحروب. ذلك أن الظاهر منها قد يكون خرابًا، بينما يعمل في باطنها شيءٌ آخر. وبالتالي فإن ما يجري في السودان اليوم قد يكون، في أعمق طبقاته، أكثرَ من حربٍ على سلطة، وأبعدَ من صراعٍ بين بندقيتين، إنه جرحٌ في جسد دورةٍ كاملة من دورات الزمن؛ كأن هذه البلاد، بعد أن أثقلتها الأيديولوجيا والعصبيات وصراعات السلطة، قد بلغت النقطة التي لا يعود فيها الإصلاح ترميمًا لما هو قائم، إنما هي لحظة ولادةٍ لما لم يكن قائمًا بتاتًا. ففي حكمة الأضداد لا يبلغ البندول قطبَه الآخر إلا بعد أن يستوفي مداه. ولعل السودان قد بلغ أقصى ما يمكن أن تبلغه التناقضات قبل أن تبدأ في التحوُّل إلى أضدادها. فالقوة قد تحوَّلت إلى عجز، والشعار استحال إلى فراغ، والسلطة قد عجزت حتى عن حماية نفسها. بل حتى اللغة التي نتحدثها أُنهكت: لغة التخوين والإقصاء، و«نحن» التي لا ترى في الآخر إلا «هم». هنا يصبح الحصاد المر أكثرَ من استعارة؛ إنها المناجل وهي تقطع ما استنفد عمرَه، وتترك للأرض أن تبدأ دورتها من جديد. ولعل أصعب ما ينبغي أن ندركه أن بعض ما يتساقط الآن ليس هو السودان، إنما ما علق به طوال تاريخه الحديث. فالسودان لم يكن يومًا مجرَّد أرضٍ على ضفاف نهر؛ إنه أرضٌ تجاورت فيها البدايات، وتقاطعت فيها الطرق، وتعاقبت عليها الحضارات، ومرت فوق ترابها كلُّ أسئلة الأرض في رحلة صعودها نحو السماء، من أوسع بواباتها عند مجمع البحرين؛ ذلك الموضع الذي لم يكن لقاءَ ماءٍ بماء فقط، بل لقاء طريقين من المعرفة، وظاهرٍ بباطن، وعلمٍ بتجربة. ومن هنا تصبح كوش أكثرَ من اسمٍ ورد في المزامير، أو في صفنيا، أو في إشعياء؛ إذ تجاورت في ذاكرة هذه الأرض طبقاتٌ من الروح: من كوش ذاتها، إلى نبتة وعلوة والمقرة، والإسلام، والتصوف، وموروثاتٍ شعبية أخرى تشابكت فيها العقيدة بالطبيعة والنهر. قبل أن تأتي السنة النبوية لتضع علي يدنا هذا المعنى العميق: «الأنبياء إخوةٌ لعلَّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد». فإذا كانت الرسالات قد تعدَّدت في التاريخ، فإن أصل النبوة واحد، وبالتالي فما الذي يجعل أبناء هذه الرسالات أعداءً علي الأرض؟ وهنا تلوح الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾. فحين يأتي «قليلٌ من الآخرين»، ربما لا يأتون من مكانٍ بعيد، قد يخرجون من داخل الإنسان السوداني نفسه. من هذا النهر الذي لا يملك رفاهية الرجوع، لكنه سيمضي، يحمل في طريقه ماء الجبال، وتراب السهول، وذاكرة المدن، ودموع الذين رحلوا، وأغنيات الذين بقوا. وعندها ربما نعرف لماذا بقيت كوش في ذاكرة الأسفار وحدها، ولماذا التقى البحران، ولماذا انتظرت النبوءة تلك الشفة النقية، ولماذا قيل: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾. إذ ربما لم يكن القليل قد وصل بعد، وربما كان لا يزال في الطريق، وربما، في هذه الساعة نفسها، كان شيءٌ منه يتخلَّق في قلب هذه الأحداث التي نراها.