أعمدة ومقالات

عودة التماسيح... حين يلتهم جشع المضاربين قوت المواطن

دكتور آدم عبدالرحمن آدم
يكتب

في الأوقات العصيبة التي مرت بها البلاد خلال سنوات الحرب، ورغم قسوة الظروف وتعطل كثير من الأنشطة الاقتصادية، ظل سعر الدولار يتحرك في نطاق محدود نسبياً، لأن حركة السوق كانت مقيدة، ولأن كبار المضاربين وتجار العملة كانوا بعيدين عن المشهد أو عاجزين عن ممارسة نفوذهم المعتاد.
لكن ما إن بدأت الأوضاع الأمنية تشهد قدراً من التحسن، حتى عاد الدولار إلى القفزات الجنونية التي أثقلت كاهل المواطن وأرهقت الأسواق. وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف يرتفع سعر الدولار بهذه السرعة في وقت يفترض أن يكون الاستقرار الأمني مدخلاً لاستقرار اقتصادي نسبي؟
إن الإجابة تكمن في عودة المضاربات وعودة تجار الأزمات الذين يجيدون الاصطياد في المياه العكرة، ويحولون العملة إلى سلعة للمقامرة والاحتكار بدلاً من أن تكون أداة لخدمة الاقتصاد والتنمية. فالسوق اليوم لا تحركه عجلة الإنتاج بقدر ما تحركه شهية المضاربين الباحثين عن الأرباح السريعة، غير آبهين بما يترتب على ذلك من معاناة للمواطن البسيط.
لقد أصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة مختلة؛ يدفع ثمن ارتفاع الأسعار، ويتحمل أعباء الغلاء المتصاعد، ويواجه تراجع القوة الشرائية يوماً بعد يوم. وبينما تتضخم ثروات قلة من المحتكرين، تتآكل دخول الأسر وتزداد معاناة الفقراء وأصحاب الدخل المحدود.
إن الاقتصاد لا ينهض بالمضاربات، ولا تُبنى الأوطان بتجارة العملة، وإنما بالإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، وبفتح أبواب الاستثمار الحقيقي، وتشجيع الصادرات، ودعم المشروعات التي تخلق فرص العمل وتزيد من تدفق النقد الأجنبي. أما الاعتماد على اقتصاد السماسرة والوسطاء فإنه لا ينتج سوى المزيد من الأزمات والتقلبات.
ومن هنا تبرز أهمية الأمن الاقتصادي بوصفه خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة والمجتمع. فكما أن الأمن يحمي الحدود والممتلكات، فإن الأمن الاقتصادي يحمي الأسواق من العبث، ويحاصر الاحتكار، ويكافح المضاربة غير المشروعة، ويمنع التلاعب بقوت المواطنين.
إن المرحلة الراهنة تتطلب رقابة صارمة، وسياسات اقتصادية واضحة، وإرادة قوية لمواجهة تجار الأزمات الذين اعتادوا تحويل معاناة الناس إلى فرص للثراء السريع. فاستقرار سعر الصرف ليس مجرد رقم في شاشات التداول، بل هو استقرار لرغيف الخبز، ودواء المريض، ومصروفات التعليم، وحياة المواطن اليومية.
وسيظل السؤال قائماً: متى ينتصر اقتصاد الإنتاج على اقتصاد المضاربة؟ ومتى يصبح جهد المزارع والصانع أقوى أثراً من نفوذ تجار العملة؟ فالأمم تبنى بسواعد المنتجين، لا بأرباح المضاربين، والأوطان تزدهر حين يكون العمل والإنتاج هما الطريق إلى الثروة، لا الاحتكار واستغلال الأزمات.
Adam0128855131@gmail.com

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة