أعمدة ومقالات

تشكيل الحكومة في ظل الحرب: وضع الحصان خلف العربة

بقلم السفير الصادق المقلي

( 2 )

شدد البرهان على أن. (( اللجنة معنية مباشرة بـ قيادة وترتيب عملية تشكيل حكومة تكنوقراط تكون مستقلة في قرارها ومهنية في أدائها.)) (( حكومة وطنية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية بمسؤولية. والخروج بمؤسسات الدولة من دائرة التجاذبات إلى فضاء التوافق الوطني الذي يعكس إرادة الشعب..))

تشكيل حكومة في ظل الحرب، ومن دون معالجة جذور الأزمة السياسية والعسكرية أولاً، يبدو أقرب إلى وضع الحصان خلف العربة وتجريب المجرب.
فقد سبق أن كُلِّف د. كامل إدريس بتشكيل حكومة، ومُنحت له صلاحيات واسعة لتكوين حكومة مستقلة. لكن حصيلة تلك التجربة لم تُحدث التحول المنشود، بل واصل الاقتصاد تدهوره، وتفاقمت أزمات الدولة ومؤسساتها وخدماتها. ولا يمكن بالطبع فصل هذا التدهور عن الحرب وما ترتب عليها من استنزاف للخزينة العامة، وانهيار قطاعات الإنتاج والزراعة والصحة والتعليم والخدمات، فضلاً عن اتساع نطاق الدمار الذي باتت الدولة عاجزة حتى عن إعادة بناء ما تهدم منه في الحد الأدنى.
كما أن الأزمة الاقتصادية لم تبدأ مع الحرب وحدها؛ فقد أسهم انقلاب أكتوبر 2021 في تعميق العزلة الدولية والإقليمية، وفي إضعاف علاقة السودان بالمنظومة المالية والمصرفية الدولية، وتعليق مسارات مهمة مرتبطة بإعفاء الديون في إطار مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون. ثم جاءت الحرب لتضيف إلى تلك الاختلالات أعباءً هائلة، وأدخلت الدولة في واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية والمالية.
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي: كيف يمكن تشكيل حكومة من جسم سياسي لا يحظى بتوافق أطراف الأزمة، من القوى السياسية إلى الأطراف المسلحة؟
و في ظل مجتمع ممزق سياسياً واجتماعياً، و قوي سياسية بينها ما صنع الحداد و كيانات معارضة تتعرض لملاحقات جنائية وحرب لم تضع أوزارها بعد؟
لقد اتسعت رقعة الحرب جغرافياً، ولم يعد الأمن مقصوراً على مناطق بعينها. ومع دخول الطائرات المسيّرة إلى المعادلة العسكرية، أصبح التهديد يصل إلى مناطق كانت تُعد أكثر أمناً نسبياً، بما في ذلك ولايات ومناطق سبق أن خرجت منها قوات الدعم السريع على الأرض. وفي ظل هذا الواقع، فإن الأولوية لا ينبغي أن تكون إنشاء حكومة جديدة فحسب، وإنما تهيئة الشروط السياسية والأمنية التي تجعل لأي حكومة معنى وقدرة على العمل.
إن حكومة لا تحظى بقبول أو اعتراف واسع من القوى السياسية والمجتمعية، ولا تجد سنداً إقليمياً ودولياً، قد لا تفعل أكثر من تكريس الأمر الواقع، بينما يظل المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر: لا أمن، ولا استقرار، ولا خدمات، ولا قدرة حقيقية على معالجة الجوع والنزوح والدمار.
ولذلك، فإن النصيحة الأهم للبرهان ليست الدخول مجدداً في معركة تشكيل حكومة، وإنما التفكير خارج صندوق الحسم العسكري.
المطلوب هو الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى منطق إنهائها، ومن محاولة فرض ترتيبات سياسية من طرف واحد إلى مسار سياسي يستند إلى توافق أوسع، ويستجيب للمطلوبات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها استعادة العلاقة الطبيعية مع الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي، ومعالجة تداعيات انقلاب أكتوبر 2021 باعتباره أحد جذور الأزمة السياسية الراهنة.
وهذا يقتضي التعاطي الجاد مع خارطة الطريق الأفريقية والمسارات الإقليمية والأممية التي تلتقي، رغم اختلاف تفاصيلها، حول مجموعة من الأولويات: هدنة ووقف القتال، ضمان انسياب المساعدات الإنسانية، حماية المدنيين، إطلاق مشاورات سياسية، ثم الدخول في عملية سياسية ذات مصداقية، بعيداً عن هيمنة العسكريين، نظاميين كانوا أم من أطراف الحركات المسلحة.
وفي المسار العسكري، ينبغي أن يكون الهدف واضحاً: وقف الحرب، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية قومية واحدة، مهنية، موحدة، لا تخضع لتأثير حزبي أو جهوي، مع معالجة أوضاع القوات المختلفة عبر ترتيبات واضحة للدمج والتسريح وإعادة الهيكلة.
أما الحكومة الانتقالية، فينبغي أن تكون حكومة كفاءات وطنية حقيقية، لا حكومة محاصصات مقنعة، وأن تُمنح مهمة أساسية تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح الاقتصاد، واستعادة الخدمات، وتهيئة البيئة السياسية للانتقال الديمقراطي.
ولا يمكن أن يكتمل هذا المسار من دون إرساء مبدأ عدم الإفلات من العقاب. فالعدالة ليست بنداً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد الاستقرار، وإنما أحد شروط بناء دولة جديدة. ويجب تفعيل آليات العدالة الجنائية بحق كل من ارتكب انتهاكات جسيمة بحق المواطنين، أو خالف القانون الدولي الإنساني، أو ارتكب جرائم تستوجب المساءلة، مع احترام استقلال القضاء والإجراءات القانونية، والتعامل مع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية والتزامات السودان القانونية وفق الأطر المعترف بها.
السودان لا يحتاج في هذه اللحظة إلى حكومة جديدة لمجرد ملء الفراغ السياسي؛ بل يحتاج أولاً إلى مشروع لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة.
فالحكومة ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة. وإذا وُضعت الأداة قبل معالجة الأزمة التي يفترض أن تعالجها، فلن يتغير شيء جوهري.
المطلوب ليس إعادة تدوير التجارب، وإنما تغيير المعادلة نفسها: من الحسم إلى التسوية، ومن الحرب إلى السلام، ومن المحاصصة إلى الكفاءة، ومن دولة الأمر الواقع إلى دولة المؤسسات.
وإلا فإننا سنظل ندور في الحلقة ذاتها، بينما يدفع السودان وشعبه كلفة الوقت الضائع.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة