طيف أول: قلبٌ في يده شمسٌ بحجم قبضتها تضيء بمنتهى الحذر تخشى على وتيرة نبضه كي لا تعتل
واتهم البرهان أمس القوى المدنية بأنها لم تضع يدها في يده للقضاء على الدعم السريع، ووصفهم بـ“الهلاميين” الساعين إلى الحكم والسلطة. ويبدو أن حالة “الزهللة” التي أصابت الجنرال بعد تحوّل الاتهامات إلى أدلة متعلقة باستخدام السلاح الكيماوي دفعته إلى إطلاق مثل هذه الترهات ، فالرجل يتصرف وكأنه فقد توازنه وبدا كأنه يتحدث عن نفسه، إذ لا توجد شخصية مهووسة بالسلطة مثله، والدليل أنه يخوض حربًا قتل فيها نصف الشعب وما زال يصرّ على استمرارها فقط ليحكم البلاد. أما القوى المدنية فلا علاقة لها بالمؤامرات أو حمل السلاح، ولم يكن هناك أحرص من البرهان على حميدتي. لكن بعيدًا عن الجدل السياسي الذي اخترعه البرهان، والذي هاجم فيه القوى المدنية في اليوم نفسه الذي نشرت فيه الصحافة الغربية تقارير تُظهر أدلة على استخدام الجيش السوداني السلاح الكيماوي، فلماذا لم يرد في كلمته على ذكر اسمه أو أسماء الضباط المتورطين في القضية، وكأنه يتعمّد القفز فوق الاتهامات المباشرة؟ ومنذ بداية الثورة والحكم المدني ظل العسكريون وفلول النظام يحاولون في خطابهم أن يساووا بين الخطأ السياسي والجريمة السياسية، وكأن الطرفين يقفان على أرض واحدة. والقوى المدنية ربما تكون قد أخطأت في حكمها أو تقديراتها أو مواقفها أو قراراتها، وهذا أمر يحدث في العمل السياسي، لكن ما ارتكبه العسكريون والكيزان خلال الحرب وقبلها ليس أخطاء سياسية، بل جرائم وانتهاكات إنسانية موثقة في تقارير دولية، ولا يمكن وضعها في خانة واحدة مع أي خلاف سياسي أو سوء تقدير مدني. وهذه المساواة التي يسعى إليها البرهان ليست بريئة، بل محاولة واضحة لإعادة صياغة المشهد ليظهر الجميع مذنبين، فيتساوى الخطأ السياسي مع استخدام السلاح الكيماوي، ويتساوى الإخفاق الإداري مع القتل الجماعي، ويتساوى التردد المدني مع الانتهاكات العسكرية. إنها محاولة لطمس الفارق الأخلاقي والقانوني بين من يختلف سياسيًا وبين من تُوجَّه إليه اتهامات خطيرة تتعلق بحقوق الإنسان. فخطاب الجنرال بالأمس الذي وجّهه للقوى المدنية هو محاولة للهروب من السؤال الأكبر الذي يطارده الآن: لماذا استخدم الجيش السوداني السلاح الكيماوي ضد شعبه؟ فالجنرال حاول تشتيت الانتباه وصرف النظر عن القضية الأساسية التي تهم الشعب السوداني. فكم عدد الذين قتلهم الكيماوي من نساء وأطفال؟ وكم من الذين تسبب لهم بتشوهات جسدية، سيما أنهم من الذين ظلوا في مناطق الجيش يهتفون له “جيش واحد شعب واحد”!! من الذي يدفع ثمن قتل الأبرياء الذين استنشقوا هذا السم حتى الموت؟ هذا هو الجدل الذي يجب أن يكون حديث الساعة، وليس الحديث عن الحرية والتغيير. فالشعب الآن ليس أمام أخطاء سياسية، بل يقف مذهولًا أمام جرائم إنسانية لم يرتكبها العدو ولا المليشيا المتمردة، بل حدثت في مناطق الجيش. هذا السلوك البربري لماذا يرتكبه جيش منظم يتحدث ضباطه أنهم ينتمون لمؤسسة عسكرية عريقة لماذا تحولوا إلى مليشيا؟ فالآن انتهى زمن الحسابات السياسية وبدأ حساب الجرائم حتى تتحقق العدالة. والبرهان يعرف أن الاتهامات خطيرة، وأنها ليست مجرد مادة إعلامية، بل قضية يمكن أن تفتح باب تحقيقات دولية، لذلك لجأ إلى أسلوبه المعتاد: خلق خصومة سياسية مفتعلة مع القوى المدنية، وتحويل النقاش من سؤال “ماذا فعل الجيش؟” إلى سؤال “لماذا لا تدعمني القوى المدنية؟”. وهذا الأسلوب يُستخدم عادة لصرف الانتباه عن الاتهامات الجوهرية، وهو تكتيك سياسي معروف، لكنه في هذه الحالة بدا مكشوفًا وضعيفًا، لأن الخطاب لم يتضمن أي رد على جوهر القضية، ولم يعلّق على ورود اسمه وأسماء الضباط، ولم يقدم تفسيرًا واحدًا لما ورد في التقارير الدولية، بالرغم من أن الاتهامات هي التي دفعت قائد الجيش إلى دائرة الضوء. والبرهان لم يهاجم القوى المدنية لأنها كانت “مسمار مشكلة” على رأسه على حد وصفه، بل لأنها أسهل هدف يمكن استخدامه لخلق جدل وسط الرأي العام. أما القضية الحقيقية التي يحاول الهروب منها فهي الأهم، لكنه لم يقترب منها وكأنه يتعمّد ترك فراغ كبير في مكان الإجابة. فالمسمار الحقيقي الذي “فلق رأسه” هو الكيماوي. والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس لماذا هاجم القوى المدنية، بل لماذا اختار هذا التوقيت؟ لأنه يحاول إخفاء جرمه خلف ضجيج سياسي لا قيمة له. فالاتهام يضع البرهان في مواجهة مع الشعب. فالمجتمع الدولي لم يعد ينتظر نفيًا أو إثباتًا في قضية السلاح الكيماوي؛ فقد أصبح مقتنعًا بأنها ليست مجرد ادعاءات. والشعب الآن يجب أن يدرك حقيقة الرئيس الذي يرشح نفسه للرئاسة، حتى الشخصيات المدنية ولجنة الحوار لم تقرأ ما حذرنا منه عندما وجّه البرهان دعوته للحوار. ذكرنا أن الحوار معه بعد الاتهامات المتعلقة بالكيماوي يصبح ليس حوارًا مع قائد جيش، لأن الاتهامات لا تحوله إلى طرف سياسي، بل إلى متهم، والآن الأدلة تحوله من متهم إلى قائد ارتكب أسوأ الجرائم بحق شعبه.
طيف أخير: #لا_للحرب كشف د.بكري الجاك، المتحدث باسم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن التحالف يعتزم مواصلة التحرك بشأن ما ورد في التقارير عن البرنامج الكيماوي للجيش السوداني، وحمل الملف إلى كل الجهات الدولية والعدلية، مع المطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن إنتاج واستخدام الأسلحة الكيماوية. وهذا هو التجاوز لأقوال الجنرال وضرورة الوقوف بالعمل على أفعاله.