أعمدة ومقالات

الجيش الجديد في غرب السودان والسيناريوهات المتوقعة

بقلم/ إيهاب الأمين

تتحرك الخارطة العسكرية والسياسية في السودان نحو منزلقات بالغة التعقيد عقب الإعلان الصادر عن التكتل المسمى تحالف السودان التأسيسي الممسك بزمام الأمور في إقليم دارفور ومناطق من كردفان والنيل الأزرق والذي قضى ببدء خطوات فعلية لإنشاء قوة عسكرية موحدة تحت مسمى الجيش الوطني الجديد.
ويأتي هذا القرار الصادر من مدينة نيالا ليعكس رغبة واضحة في صياغة واقع موازٍ ينهي ارتباط تلك الأقاليم بالمركز التاريخي في الخرطوم ويؤسس لعقيدة عسكرية مغايرة تزعم الابتعاد عن التيارات الأيديولوجية وبخاصة نفوذ الحركة الإسلاموية وتتجاوز مفاعيل هذا الحدث مجرد تنظيم الصفوف الميدانية إلى إحداث تحولات بنيوية ستلقي بظلالها على مفهوم الدولة السودانية الموحدة إذ يحمل هذا التوجه مخاطر تكرار النموذج الليبي أو السوري عبر التأسيس لانقسام عسكري وتحويله إلى سلطات أمر واقع تمتلك جيوشًا نظامية وأجهزة إدارية وخدمية مستقلة.
وتكمن المعضلة الكبرى في الأضرار الجسيمة المتوقعة لهذا الإجراء وفي مقدمتها إذكاء النزعات الانفصالية وتعميق الشروخ الاجتماعية بين المكونات القبلية فضلًا عن تعقيد أي فرص مستقبلية للوصول إلى سلام شامل نظرًا لصعوبة دمج العقائد العسكرية المتنافرة مستقبلًا وتوسيع رقعة الاقتتال لتشمل مناطق حدودية قد تجر قوى إقليمية مجاورة إلى أتون الصراع المباشر وأمام هذه التحولات المتسارعة فإن التحدي الأكبر يقع على عاتق قيادة القوات المسلحة السودانية المتمركزة في بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان والتي تواجه اتهامات بالارتهان لسيطرة بقايا النظام السابق (الكيزان).
ويرى خبراء ومراقبون أن أفضل تصرف استراتيجي يمكن أن يتخذه الجيش السوداني الحالي لمواجهة هذا التحدي الوجودي يتطلب أولًا التحرر الكامل والعلني من أية وصاية حزبية أو أيديولوجية وتجديد عقيدته العسكرية كجيش مهني جامع لكل السودانيين بلا تمييز لقطع الطريق أمام الذرائع التي يستغلها الخصوم كما يتوجب على قيادة الجيش إبداء مرونة سياسية حقيقية عبر فتح قنوات تفاوض جادة مع القوى المدنية الديمقراطية وتشكيل جبهة وطنية عريضة تسحب البساط من مشاريع التقسيم الإقليمي بالإضافة إلى إصلاح المنظومة الدفاعية الحالية بدمج الحركات المسلحة المتحالفة معه ضمن هياكل نظامية منضبطة تمنع فوضى الميليشيات في مناطق سيطرته وفي المقابل يفتح هذا التطور محاور أخرى بالغة الأهمية ترتبط بموقف القوى الدولية والإقليمية التي ستجد نفسها مجبرة على إعادة تقييم المشهد السوداني إذ إن نشوء كيان عسكري موحد في الغرب يسيطر على موارد اقتصادية ومنافذ حدودية حيوية سيفرض واقعاً دبلوماسياً شائكًا قد يدفع بعض الأطراف للتعامل معه كحكومة أمر واقع لتأمين مصالحها مما يعزز عزلة المركز ويزيد من تفتيت البلاد.
وتظل الخشية الأكبر متمثلة في تحول السودان إلى ساحة حرب استنزاف طويلة الأمد تغيب فيها الدولة تمامًا وتتحكم في مصيرها كانتونات مسلحة متناحرة مما يهدد الأمن الإقليمي برمته ويفاقم الكارثة الإنسانية للشعب السوداني الذي بات يدفع ثمن الصراع على السلطة وتصفية الحسابات السياسية والتاريخية دون أفق قريب للحل.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة