أعمدة ومقالات

دولة 56... وماذا يريد المواطن السوداني اليوم؟

شيماء السيد

ردًا على مقال الأستاذ/ محمد عصمت يحيى بعنوان: هل أضحت دولة 56 حائط مبكي للإتحاديين ؟؟

أولاً أحترم الأسئلة التي طرحها أ. محمد عصمت حول «دولة 56» وهي أسئلة دفعتني لأن أضع رأيي على الطاولة كمواطنة سودانية وليس من زاوية سياسية أو حزبية لأنني وحتي كتابة هذا المقال
لا أنتمي إلى أي حزب سياسي، لكنني أعرف شيئًا قليلًا عن تاريخ الأحزاب وأيديولوجياتها، ولذلك أعتقد أن من حقنا كمواطنين أن نسأل الجميع من المنظمين في أحزاب سياسية بما فيهم الاتحاديين عن :
ماذا قدمت الأحزاب لهذا الوطن؟ وماذا بقي من علاقتها بالمواطنين ؟
بصراحة، أشعر أن الأحزاب السودانية، ومن بينها الأحزاب الإتحادية بمختلف تياراتهم لم يعد لها ذلك الدور الفعّال في حياة المواطن، بل أن الأحزاب نفسها ومن وجهة نظري قد ساهمت في الوصول إلى هذه الحالة، حتى أصبح المواطن لا يرى فيها مشروعًا حقيقيًا لمستقبله، وربما نجحت الأحزاب في شيء واحد دون أن تقصد أن ينساها الشعب.
ولهذا عندما نفتح ملف «دولة 56»، لا أعتقد أن المطلوب هو فقط أن نسأل: من أخطأ؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
بل علينا أن نسأل أيضًا:
لماذا عجزت الأحزاب السياسية السودانية طوال هذه السنوات عن مراجعة نفسها؟
لماذا لم تستطع أن تجدد خطابها وأفكارها ؟ لماذا لم تقترب من المواطن؟ ولماذا ظل المواطن دائمًا هو الذي يتحمل نتائج صراعات النخب والأحزاب؟
في ختام المقال تساءل أ. محمد عصمت عما إذا كانت دولتنا الآن هي الدولة التي تمناها الزعيم الأزهري ومن ثنايا تساؤله تلمست أنها ليست هي وعليه دعا الإتحاديين وغيرهم للعمل علي بناء دولة علمانية ديمقراطية لامركزية والسؤال هنا :
هل الحل هو تأسيس دولة علمانية ديمقراطية لامركزية؟
أنا كمواطنة أتساءل ببساطة:
هل العلمانية وحدها هي الحل؟
أنا لا أقول إن الدولة العلمانية سيئة، ولا أقول إن الدولة الدينية هي الحل، لكنني أتساءل:
هل لو نقلنا المشكلة من أيديولوجية إلى أيديولوجية، دون أن نغير عقل الإنسان نفسه يمكن ان يكون هو الحل ؟
فحتى قبل دولة 56، وقبل الاستقلال، كان هناك إنسان سوداني يعيش وسط اختلافات في الدين والعرق والقبيلة والثقافة بل كان حتي اليهود جزءًا من هذا التعايش السلمي، وجزءًا من النسيج الاجتماعي السوداني.
وبعد دولة 56 استمرت المشاكل، ثم جاءت أنظمة وأحزاب وأيديولوجيات مختلفة، ولم تتوقف المآسي.
إذن، أين المشكلة؟
هل هي في أيديولوجية البشر؟
أم في السياسة التي نجحت في تسييس الفكرة قبل أن تترك للعقل فرصة أن يفكر فيها؟
هل التكنولوجيا هي التي غيّرت؟
هل الأيديولوجيات تغيّرت؟
أم أن المشكلة في السياسة وفي الإنسان الذي يستطيع أن يحوّل الدين أو العِرق أو الأيديولوجيا، أو حتى العلمانية نفسها، إلى أداة للصراع والإقصاء؟
أنا أعتقد أن المشكلة أعمق من طبيعة الدولة، وأعمق من وصفها بأنها علمانية أو دينية.
نحن نحتاج إلى دولة مواطنة قبل أي شيء؛ دولة يكون فيها الإنسان سودانيًا قبل أن يكون شماليًا أو جنوبيًا، دارفوريًا أو كردفانيًا، مسلمًا أو مسيحيًا، مؤمنًا أو غير مؤمن، اتحاديًا أو شيوعيًا أو إسلاميًا أو مستقلًا.
دولة لا يُعاقب فيها الإنسان بسبب هويته، ولا يصبح الدين أو القبيلة أو الحزب جواز مرور إلى الحقوق.
أما الأحزاب، فعليها أن تتوقف عن مطالبة المواطن بتذكّر تاريخها، وأن تسأل نفسها: لماذا لم تعد حاضرة في وجدانه؟
فالأجيال الجديدة لا تستطيع أن تعيش على التاريخ وحده، ولا على أمجاد الزعيم الأزهري، ولا على تاريخ الميرغني، ولا على تاريخ المهدي، ولا على شعارات أي حزب.
نحترم تاريخ رموزنا الوطنية ونقدّر ما قدموه للسودان، لكن المواطن السوداني اليوم يريد أن يعيش حاضره ويضمن مستقبله، في حياة كريمة تحفظ إنسانيته وتصون كرامته، وتمنحه الأمن والعدالة والحرية، وحقه في أن يعيش مواطنًا كامل الحقوق، بعيدًا عن الخوف والتمييز والإقصاء.
لذلك، إذا كان الاتحاديون وغيرهم يريدون استعادة ثقة الناس، فالمطلوب ليس فقط الدفاع عن دولة 56 أو جلدها، وإنما مراجعة التجربة كلها بشجاعة، والاعتراف بالأخطاء، وتجديد الفكر، وإعادة بناء العلاقة مع المواطن.
كما أنني لا أستطيع أن أعتبر العلمانية عصًا سحرية ستنقلنا تلقائيًا إلى دولة عادلة.
نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا:
هل نجحنا في بناء الإنسان السوداني القادر على قبول الآخر؟
وهل نجحنا في بناء عقل يستطيع أن يختلف دون أن يكره، وينتقد دون أن يقصي، ويؤمن بفكرته دون أن يحوّلها إلى سلاح ضد الآخرين؟
ربما هنا تبدأ الدولة التي نحلم بها.
ولذلك، بالنسبة لي، السؤال ليس فقط:
هل هذه هي دولة 56 التي حلم بها الأزهري ورفاقه؟
بل السؤال الذي يجب أن نضعه أمام كل الأحزاب وكل النخب وكل التيارات:
هل هذه هي الدولة التي يحلم بها المواطن السوداني اليوم؟
إن لم تكن، فلنختلف في الوسيلة، لكن لنتفق أولًا على الغاية:

« وطن يسع الجميع، ودولة يكون فيها الإنسان هو القيمة الأولى، لا الحزب ولا الأيديولوجيا ولا السلطة.»

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة