أعمدة ومقالات

الاقتصاد لا يُدار بالبندقية.. جذور الانهيار الاقتصادي في السودان

د. الأمين بلال مختار

alaminmukhtar@hotmail.com

يُصر البلابسة والكيزان على ترويج الوهم القديم بأن الحل الاقتصادي يبدأ بتشديد القبضة الأمنية ومطاردة التجار وصغار السماسرة. وهذا هرف وتضليل متعمد. الاقتصاد لا يُعالج في أقبية الأمن، بل في وقف الحرب وتحقيق السلام وفرض العدل.

الاقتصاد مرآة للسياسة والمجتمع، وعندما تتفكك الدولة وتنهار بفعل الحرب، ينهار معها كل شيء.

أولاً: اقتصاد الحرب لا يبني وطناً
ما يجري اليوم ليس اقتصاد وطن ، بل اقتصاد حرب. ماتبقت من اصول وموارد تذهب للإنفاق العسكري والأمني، بينما التعليم والصحة والإنتاج صفر. حكومة البرهان تحشد اكثر من ١٢ جيوش ومليشيات وكتائب وكل جيش له خزينته وشركاته ومعابره، كيف لها أن تنهض؟ تعدد الجيوش يعني تعدد الاقتصاديات الطفيلية، وكل مليشيا تفرض جباياتها وتسيطر على مورد.

ثانياً: التمليش هو بوابة النهب
التحول من جيش وطني واحد إلى سوق مليشيات هو أساس الخراب. كل مليشيا لها ذهبها، لها حدودها، لها ميناؤها البري. ذهب السودان الذي كان يمكن أن يسند الجنيه، أصبح يهرب عبر مطارات الحرب وشركات العسكر لتمويل السلاح وقصور النخب. نحن أمام مافيا منظمة ترتدي الكاكي.

ثالثاً: مافيا الفساد والاستبداد
الاقتصاد السوداني مختطف منذ 30 عاماً بيد شبكة واحدة: منظومة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وواجهاتها في الجيش والبنوك والشركات الرمادية. هذه الشبكة لا تريد سوقاً حراً ولا إنتاجاً، بل تريد اقتصاداً ريعياً قائماً على الاحتكار والتهريب والمضاربة في الدولار. الاستبداد يخلق الفساد، والفساد يحمي الاستبداد. كلما ارتفع سعر الدولار، ارتفعت أرباحهم، وكلما جاع المواطن، ازدادت ثرواتهم.

رابعاً: انهيار الإنتاج.. النتيجة الحتمية
كيف يزرع المزارع في الجزيرة ودارفور وكردفان والقذائف فوق رأسه؟ كيف يصنع المصنع في الخرطوم وهو محتل من مليشيا؟ الحرب دمرت 90% من المصانع والمزارع وسلاسل الإمداد. هجرة اكثر من ١٦ مليون مواطن تعني انهيار قوة العمل والاستهلاك والإنتاج معاً. لا يمكن أن تتحدث عن معالجة التضخم وأنت تشعل الحطب تحت الاقتصاد كل يوم.

خامساً: ما الحل؟
الحلول الترقيعية التي تطرحها سلطة بورتسودان – رفع الدعم، طباعة العملة، جبايات جديدة وديعة خارجية – هي مجرد مسكنات لتمويل الحرب.وماننسي الفساد يحوم حولهم كلهم.

المعالجة الجذرية تبدأ من هنا:

وقف الحرب فوراً: لا اقتصاد مع الرصاص. وقف الحرب هو القرار الاقتصادي الأول.

جيش واحد وطني: تفكيك كل المليشيات والجيوش الموازية وإنهاء اقتصادياتها الخاصة، وولاية وزارة المالية على كل شركات الجيش وذهب السودان.

كسر مافيا الفساد: استرداد الأموال المنهوبة، تفكيك الشركات الرمادية، وفرض الشفافية على موارد الذهب والموانئ.

عدالة انتقالية: لا استثمار ولا إنتاج دون عدالة تُعيد الثقة للمجتمع وتنهي ثقافة الإفلات من العقاب.

إن من يظن أن الجوع يُعالج بالعصا الأمنية واهم. الجوع سببه الحرب، وسببه التمليش، وسببه فساد حكم الكيزان الذي حول الدولة إلى شركة أمنية خاصة.

ولا يتعافى الاقتصاد إلا بتعافي السياسة، ولا تتعافى السياسة إلا بإسكات البندقية.

ولا يصح إلا الصحيح وبس.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة