أعمدة ومقالات

البرهان خارج نيويورك.. من يرسم طاولة السودان؟

أحمد_عثمان_جبريل.

❝حين يُستبعد الرجل من الطاولة، لا يعني ذلك دائماً أن مؤسسته خرجت منها.. فقد يكون السؤال: من سيجلس باسمها؟❞

تقول الحكاية، إن صلح الحديبية لم يبدأ بالسؤال عن من يملك القوة الأكبر، وإنما بمن يستطيع أن يوقف القتال ويُلزم قومه بما يُتفق عليه. جلس النبي صلى الله عليه وسلم، مع ممثلي قريش، وكان سهيل بن عمرو هو المفاوض، لا لأنه صار حاكماً لقريش، بل لأنه يملك القدرة على إبرام ما يلتزم به قومه.. وهنا تكمن الحكمة:”في التفاوض لا تكفي الشرعية السياسية وحدها، ولا تكفي البندقية وحدها.. المهم أن تجد من يملك قراراً يمكن تنفيذه، وأن تعرف مسبقاً من يستطيع أن يقول لقواته: توقفوا.. فيتوقفون، ومن يستطيع أن يقول لممثليه: وقعوا.. فيلتزمون”.
من الحديبية و أرض الحرمين الشريفين نعود إلى الخرطوم ونيويورك .

(1)
لهذا تبدو قصة تأشيرة البرهان أكبر من تأشيرة.. الولايات المتحدة لم تمنحه حتى الآن تأشيرة حضور الجمعية العامة، فيما قالت مصادر إن الأمر ارتبط بموافقته على هدنة تسعين يوماً.. وفي المقابل قالت الخارجية الأمريكية إن الجيش والدعم السريع، وقائديهما، لا يمثلون حكماً شرعياً أو دستورياً للسودان، وإن واشنطن مستعدة للعمل مع أي شريك جاد للسلام.. هنا تتغير المعادلة: “البرهان قد يكون خارج الحساب السياسي الأمريكي، لكن الجيش لا يستطيع أن يكون خارج حسابات وقف الحرب”.

(2)
وما يزيد المشهد وضوحاً أن مسعد بولس لم يكتفِ بإخراج الرجلين، البرهان وحميدتي، من مستقبل الحكم، بل تحدث عن هدنة تفتح حواراً سودانياً سودانياً، وعن رفع كلفة الحرب على جميع أطرافها.. إذن واشنطن لا تبحث بالضرورة عن جنرال بديل للبرهان، بل قد تكون تبحث عن طريقة تفصل بين من يملك السلاح ومن يملك حق حكم الدولة.

(3)
وهنا يأتي السؤال الذي لا يجوز القفز من فوقه، أو الهروب منه:” إذا كان البرهان خارج الطاولة، فمن تتفاوض معه واشنطن داخل الجيش؟ الكباشي؟ إبراهيم جابر؟ أم شخصية أخرى لم تظهر في الواجهة؟ لا نملك دليلاً علنياً يثبت اسماً بعينه، ولذلك سيكون من السهل أن نصنع خبراً من فراغ.. لكن منطق التفاوض يقول إن أي هدنة تحتاج إلى مخاطب عسكري يستطيع تنفيذها، لا إلى اسم جميل في بيان سياسي.. فالمفاوض الحقيقي ليس من يجيد الكلام فقط، وإنما من يملك مفاتيح القرار حين تنتهي المؤتمرات وتعود الأوامر إلى الميدان”.

(4)
وربما تكون هذه هي النقطة التي تجري في الغرف المغلقة.. فواشنطن قد لا تبحث عن رجل يحل محل البرهان، وإنما عن قناة تتعامل؛ معها مع المؤسسة العسكرية برمتها، دون أن تمنحها حق حكم السودان.. قد تكون قناة داخل الجيش، أو عبر القاهرة والرياض، أو شخصية عسكرية لم تظهر في المشهد بعد.. وهذا احتمال تحكمه القرائن، لا الأخبار المتداولة.

(5)
في الجهة الأخرى، وجود حمدوك و(صمود) في نيويورك ليس دليلاً على أن حمدوك هو البديل الجاهز.. لكنه يوضح أن المسار المدني حاضر في المكان الذي تُناقش فيه ترتيبات (طبخة) السودان.. ومن المهم هنا أن نقول أن وفد (صمود) إلتقى مسؤولاً نرويجياً في نيويورك، بالتزامن مع تحضير اجتماع يضم الرباعية والخماسية حول السودان.. وهذا يشير بوضوح إلى أن الرباعية تتحرك في المسار الأمني، والخماسية تدفع نحو المسار السياسي المدني.. وفي اجتماع نيويورك المرتقب بين المسارين تكمن أهمية اللحظة:” أن يجلس أصحاب النفوذ الخارجي على طاولة واحدة، بينما يجري ترتيب من يتحدث باسم السودانيين، ومن يضمن السلاح، ومن يملك مفاتيح الانتقال.

(6)
أما أخطر ما في المشهد فهو أن واشنطن تبدو وكأنها تحاول بناء معادلة جديدة:” الجيش والدعم السريع مطلوبان لإنهاء الحرب، لكنهما لا يُمنحان حق تحديد مستقبل الدولة.. المدنيون مطلوبون لصناعة المسار السياسي، لكنهم لا يستطيعون وحدهم إيقاف مدافع الحرب. ومن هنا يصبح الفصل بين (من يوقف الحرب) و(من يحكم بعد الحرب) جوهر الطبخة، لا تفصيلاً على هامشها.

(7)
وحتى ملف السلاح الكيميائي لا يجوز تجاهله، لكن لا يجوز تحويله إلى سبب مؤكد لمنع التأشيرة، ما لم تعلنه واشنطن، فالتحليل الجاد يفرّق بين ما ثبت، وما يُستنتج، وما يظل احتمالاً.. و لكن المؤكد أن الولايات المتحدة سبق أن فرضت عقوبات على البرهان، وقالت إن قوات الجيش ارتكبت انتهاكات، وفي 2026 لذا أصبح الخطاب الأمريكي أشد وضوحاً في رفض استمرار حكم طرفي الحرب.. لذلك من المهم ان نقول أن خروج البرهان من نيويورك جاء نتيجة تراكم سياسي وقانوني وأمني، لا مجرد عقوبة على موقف تفاوضي واحد وهو رفضه التوقيع على هدنة التسعين يوماً.

السؤال إذن ليس:” هل أخرجت أمريكا البرهان من نيويورك؟ السؤال الأثقل: هل بدأت إخراج (البرهان) من معادلة الحكم، مع إبقاء (الجيش) في معادلة السلام؟ إذا كان ذلك هو الاتجاه، فإن الاسم الذي يجب أن نبحث عنه ليس بالضرورة الرئيس القادم، وإنما الرجل أو القناة التي ستتحدث باسم المؤسسة العسكرية عندما تُغلق أبواب البرهان وتُفتح أبواب التفاوض في الغرف المغلقة والمفتوحة لاحقا.

ومضة

في الحديبية، لم تكن قيمة المفاوض في أنه يحكم قومه، بل في أنه يستطيع أن يُلزمهم بما يوقع.. والسودان اليوم يحتاج إلى الشيء ذاته:” من يوقف البندقية أولاً، ثم يترك للشعب حق اختيار من يحكم”.

توقيع أفق الحرف

أفق يترفق باتساعه ليقول: قد تُغلق نيويورك باباً في وجه رجل، لكن الأبواب التي تُفتح في الغرف المغلقة قد ترسم للسودان طاولة جديدة.. والسؤال ليس من خرج، بل من دخل؟.
إنا لله ياخ..
الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة