طيف أول: كم مرة أخذت الحرب خيطًا من أحلامنا، ذاك الذي لا يسعه سوى سمّ الأوجاع!!
واستغلّ الفريق عبد الفتاح البرهان فعالية باستاد الخرطوم نظّمتها مبادرة “ما نسيناكم” لدعم القطاع الصحي، وقالوا إنها لعكس جهود صُنّاع المحتوى بحضور قطاعات واسعة من الشباب من مختلف الأعمار. وسرق البرهان الهدف الأساسي للمبادرة بتسويق خطابه السياسي بدافع حالة الفقد والعزلة الدولية التي يعيشها والتي أحكمت أبوابها عليه. فالبرهان كان حضوراً في مناسبة لم ترد الأخبار أنه سيخاطبها، ولم تعلن الجهة المنظمة أنها تحت رعايته، لكنه أراد أن يستغلّ الحضور الجماهيري الذي يفتقده، ومرّر خطابه السياسي. وقال الجنرال إن البلاد لن تستجيب لأي ضغوط أو ابتزاز، مؤكداً أن صوت السودان سيظل عالياً، وأن شباب السودان دائماً في المقدمة، مشيراً إلى إسهاماتهم الوطنية المقدّرة في مختلف المجالات. وأضاف: “سيظل رأسنا مرفوعاً، ولن نقبل المساومة، أو نسترخص أنفسنا لأحد، أو ننحني له”، مبيناً أنه لا يمكن ابتزاز السودانيين أو تخويفهم. وأكد البرهان أن الهدف الأساسي هو القضاء على المليشيا المتمردة مهما كلّف ذلك من ثمن، مردفاً: “هدفنا تطهير كل السودان، حتى دارفور، من هؤلاء الأوباش”. واختتم القائد العام للجيش تصريحاته بالقول: “لا نريد تأشيرة لدولة، ولا إذناً من أحد”، مؤكداً المضي قدماً نحو القضاء على المتمردين وتطهير البلاد من دنس التمرد. والبرهان الذي يقول إنه لا يسعى للتأشيرة، هو نفسه الذي قدّم جوازه للسفارة الأمريكية، ورُفض منحه التأشيرة وحُجز جوازه. وهذا سعي واضح منه ، قابلته خيبة أمل وعدم قبول. ولو كان البرهان هو الذي قاطع الجمعية العامة احتجاجاً على التصرفات الأمريكية معه، لكان الأمر مختلفاً
ويعكس هذا السلوك أن السلطة، رغم خطاب التحدي الذي يطلقه البرهان في الداخل، تدرك حجم العزلة الدولية التي تحيط بها، وأنها مضطرة للبحث عن مسار تفاوضي يخفف الضغط المتزايد عليها، ويمنع تحول الأزمة الدبلوماسية إلى عزلة كاملة يصعب الخروج منها. وتصريحات وزير الخارجية غير كافية لواشنطن؛ فأمريكا تريد تنازلًا أكبر وخطوات عملية، وليس مجرد استعداد لفظي للتفاوض. فهي لا تبحث عن خطاب دبلوماسي، بل عن سلوك سياسي يتمثل في التزام واضح بوقف الانتهاكات من الطرفين، وفتح الممرات الإنسانية، واحترام القانون الدولي، وقبول تمديد بعثة تقصي الحقائق.
هذا هو الامتحان الحقيقي، فواشنطن تعتبر رفض التمديد مواجهة مباشرة معها ومع الأمم المتحدة. وهي تريد الانخراط في عملية سلام دولية، وليس مجرد “تفاوض هش”، بل قبول مسار دولي تشرف عليه الرباعية والأمم المتحدة، والتعامل بجدية مع قرارات مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان. كما أنها ما زالت ترى أن الحكومة السودانية ترفض التمديد الأممي، وتهاجم المجتمع الدولي في خطابها الداخلي، وتواصل العمليات العسكرية. لذلك، أي تصريح إيجابي يُقرأ في واشنطن كمحاولة لتهدئة الموقف، وليس كتنازل حقيقي. إذن، تصريحات الخارجية السودانية خطوة شكلية، لكنها لا تكفي. فبعد أن أظهرت واشنطن عدم رغبتها في استقبال البرهان على أراضيها، باتت الكرة في ملعب بورتسودان ؛ فالإدارة الأمريكية تراقب الآن ما إذا كانت الحكومة ستقدّم خطوة جديدة تُظهر جدية في الانخراط في مسار سياسي مختلف أم لا. فإذا اختارت الحكومة التعامل بلا مبالاة، أو لجأت إلى خطاب التحدي والانفعال على طريقة البشير في سنواته الأخيرة، فستقرأ واشنطن ذلك باعتباره استهتارًا سياسيًا يعمّق العزلة، ويؤكد غياب الإرادة الحقيقية للتغيير، خاصة في لحظة تتطلب تنازلات واضحة لا مجرد تصريحات في الفضاء العام.
طيف أخير: #لا_للحرب وصف رئيس حزب المؤتمر السوداني، المهندس عمر الدقير، الاجتماع المشترك الذي انعقد في نيويورك بين الرباعية والخماسية بشأن السودان بأنه يمثل تطورًا مهمًا في تنسيق المساعي الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب. وأردف أن الأوان قد آن لأن يُقدَّم حقُّ السودانيين في الحياة والأمان وسائر حقوقهم الأساسية على أية حسابات أخرى، وأن يروا خطوات عملية لوضع حدٍّ لمعاناتهم، ودرء خطر تقسيم وطنهم، وانتشاله من ركام الحرب إلى رحاب السلام والتوافق على أسس إعادة بنائه.