أعمدة ومقالات

السودان بين مِخلَب النسر وتاج الهدهد؟!

الجميل الفاضل يكتب

ليس في كتاب الله المفتوح شيءٌ يتحرك سُدًى، ولا في مسرح الوجود علامةٌ تستوفي معناها من ظاهرها.
فالكون، في عين أهل الإشارة، ليس صامتًا كما نظن؛ إنما نحن الذين فقدنا شيئًا من القدرة على الإصغاء إليه.
الطير يطير، والماء يجري، والريح تعدو، والجبال تمر مرّ السحاب، وكلٌّ منها يقول بلسان حاله ما لا تقوله الألسن.
ولعل السودان، في سنواته الأخيرة، كان يُرمَزُ لبعض فصول محنته بإشارات يرسمها القدر على وجه السماء.
فقبل نحو ثلاثة أعوام، عندما كانت الخرطوم تغرق في ذلك الصمت المريب الذي سبق انفجار الحرب، احتشدت أسراب من النسور والجوارح في فضائها، تدور فوق العمران في حلقات ثقيلة، كأن السماء نفسها كانت قد أخذت تنظر آنذاك إلى الأرض بعينٍ أخرى.
لم تكن النسور، بالطبع، هي التي صنعت الحرب، ولا يلزم أن تكون قد جاءت لتخبر البشر بما سيقع.
لكن المتأمل لا يسأل العلامة: ماذا فعلت؟ إنما يسألها فقط: ماذا جعلتني أرى؟ ومن هنا ربما يبدأ التأويل.
فقد كان النسر، بمخالبه ومنقاره، أقرب إلى صورة زمنٍ آخذٍ في تمزيق ما تبقّى من استقرار.
طائرٌ يترقّب وينتظر… كل ما يعلو ويهبط، قبل أن تنتهي بنا دورة الأشياء اليوم إلى ما نرى من نهايات عارية.
وكأن السماء كانت تضع أمام أعيننا، قبل أن نرى هذا الخراب على الأرض، صورةً مكثفةً لما كان يتكوّن في باطنها من زمنٍ للمخالب الزرقاء، وللأنياب الحُمر.
ثم دارت الأيام.. والفلك في سنة الله لا يجري على وجهٍ واحد.
فإذا بالهدهد يطلّ هذه الأيام، في أقاليم السودان وأريافه، ومن مناجمه ومساربِه النيلية، بكثافة لافتة؛ ذلك الطائر الذي حمل في الذاكرة القرآنية سرّ الخبر، وفي قصة سليمان معنىً آخر للرؤية: أن ترى ما لا يراه الآخرون، وأن تأتي من البعيد بنبأ يفتح للملك بابًا من المعرفة كان مغلقًا.
هنا لا يعود الهدهد مجرد طائر، بل قد يصير استعارةً للأعين التي تستعيد قدرتها على النظر.
إذ بين مِخلَب النسر وتاج الهدهد مسافة ليست بين طائرين، وإنما بين حالين:
من زمنٍ كانت فيه الأشياء تتهاوى، إلى زمنٍ يبدأ فيه الوعي بالصعود.
من طائرٍ كان يجيء إلى ما انتهى بنا من دمار، إلى طائرٍ يبحث عمّا هو مستور، ربما لينقلنا من الجيف إلى الماء، ومن المخالب إلى التاج.
إذ ليس الهدهد في قصة سليمان طائرًا للزينة، إنما كان طائرًا يطوي بين جناحيه أكثر من ملف ومهمة؛ رأى ما لم تره الأعين السلطانية، وعرف مواضع الماء تحت التراب، ثم حمل خبرًا آخر قلب ميزان المعادلة كلها.
ولعل هذه هي الإشارة الأجمل: أن السودان، بعد أن أُنهك كاهله بالحرب، لا يحتاج في هذه اللحظة إلى مزيد من الجوارح، لكن إلى هدهدٍ صغير يرى من بعيد.
هدهدٌ لا يأتي ليملك، إنما ليُري؛ لا يحمل سيفًا، وإنما يحمل خبرًا.
لا يقود الناس إلى الغنيمة، وإنما يقودهم إلى منابع الماء، لا إلى مواقع نوافير الدم.
وهنا يصبح الانتقال من النسر إلى الهدهد انتقالًا رمزيًّا من طاقة القبض إلى طاقة البسط؛ من وطنٍ تُستنزف موارده وأرواحه، إلى وطنٍ يبحث عن أغلى موارده: جوهر إنسانه الأصيل.
فالنسور، في هذه القراءة، لم تكن نذيرًا بالحرب، كما أن الهدهد ليس ضمانةً لسلام يحلّ في الغد.
إنهما فقط مرآتان، الأولى تعكس ما كان يحدث في الأرض عندما غلب عليها منطق الافتراس.
وحينها لم يأتِ من يذكرنا قبل الأوان بالآية:
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾

أما في الثانية فقد ينفتح سؤال آخر: ماذا لو بدأ السودان نفسه يرى؟ يرى ذاته قبل أن يرى خصومه، يرى جرحه قبل أن يبحث عمّن يحمّله المسؤولية، يرى أن الحرب لم تكن فقط معركةً بين بندقيتين، إنما امتحانًا عميقًا لمعنى الإنسان، ولمعنى الوطن، ولمعنى أن يخرج السودان من نفسه القديمة دون أن يفقد روحه تمامًا.
لذلك ربما كان أجمل ما في الهدهد ليس تاجه، وإنما قدرته على اكتشاف ماء الحياة المخزون بباطن هذه الأرض المحروقة.
فالسودان لا يحتاج اليوم إلى من يدلّه على طريق الغلبة، بقدر حاجته إلى من يدلّه على ماء نقي كامن تحت ركام الحرب: ماء السلام، وماء العدالة، وماء الكرامة، وماء الدولة التي لا يكون فيها الإنسان المستنفَر وقودًا لحروب السلطة، ولا الوطن ذاته غنيمةً لمن يملك السلاح.
نعم، لقد طال زمن النسور، لكن الفلك لا يتوقف عند فصل واحد.
فإذا كان المِخلَب قد كشف لنا قسوة الأرض حين تُترك لشهوة الافتراس، فإن تاج الهدهد يذكّرنا بأن في هذه الأرض، مهما طال القحط، عينًا لا تزال تعرف مخابئ الماء تحت تجاويف الأرض وأغوارها السحيقة.
ولعل المسألة كلها ليست أن السماء أرسلت الهدهد ليخبرنا بانتهاء الحرب، لكن ربما أن الحرب نفسها جعلتنا، أخيرًا، في حاجة إلى أن نصبح نحن أنفسنا هدهدًا: لنرى ما وراء ظاهر الأمر، ولنسمع ما وراء جلبة الجيوش وضجيج الحرب.
أن نعرف أن الخراب ليس آخر محطات بلادنا.
ففي كل دورةٍ من دورات الفلك، يجيء طائر يليق بذلك الزمان.
إذ حين يخفّ مِخلَب النسر، لا يكون السؤال:
هل انتهت المحنة؟ لكن: هل تعلّمنا نحن منها ما يكفي كي لا نعيد إنتاجها؟
على أية حال، ربما جاء الهدهد الآن ليقول لنا فقط هذه المرة:
ها هنا الماء، ثم يترك لنا الدلاء ومقياسًا نحتاجه لإدراك بلوغنا غاية الارتواء، من معين آخر، للجمال، والعذوبة، والصفاء.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة