مأزق

صباح محمد الحسن
صباح محمد الحسن

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول:
أحيانًا ينبثق الحرف الناجي
لتتزامن قامته مع الشمس
فيختبئ الذي في ظلّه اعوجاج!

وفي 22 مايو 2025 اتهمت واشنطن حكومة السودان باستخدام أسلحة كيميائية خلال حرب 15 أبريل. وبعدها بأسبوع واحد أصدر رئيس المجلس الانقلابي، عبد الفتاح البرهان، قرارًا بتشكيل لجنة وطنية للتحقيق في الاتهامات بشأن استخدام الجيش أسلحة كيميائية، ورفضت الحكومة كل المساعي الدولية لدخول لجنة تحقيق خارجية.
لكن مندوب السودان الحارث إدريس، في جلسة مجلس الأمن، كشف في لحظة انفعال ما لم تعلن عنه الحكومة رسميًا طيلة عام، وهو أنه وبعد رفضها العلني التام للاتهام ، والتحقيق الدولي سمحت لوفد أمريكي بزيارة السودان!!.
فمتى تراجعت الحكومة عن موقفها؟
ولماذا لم تعلن رسميًا عن استقبال الوفد الأمريكي الذي «دخل وخرج» دون أن يعلم أحد عنه شيئًا
فهذا يكشف جلياً أن الحكومة تعاونت سرًا في الملف، لكن الحارث إدريس استفزّه مسعد بولس فأخرج ما كان سِرًا!
ويضيف مندوب السودان أن سفيرهم «حفيت قدماه» بين وزارة الخارجية الأمريكية والكونغرس للحصول على تقرير الوفد الفني الأمريكي لعام كامل.

وهنا تأتي الإجابة للسؤال: الحكومة اتُّهمت في مايو، ورفضت الاتهام والتحقيق، وشكّلت لجنة وطنية، وبما أن عامًا كاملًا قد مرّ و الأقدام حافية، فهذا يعني أن الحكومة في الشهر الأول من الرفض بدأت اتصالاتها بأمريكا وسمحت للوفد بالدخول، ولكنها ظلّت طوال العام تتحدث هي وإعلامها عن رفض الاتهام ورفض التحقيق، بينما الوفد الأمريكي وحمل عيناته وغادر، وهو يراقب حكومة تخدع شعبها بخطابات الرفض، وهي متعاونة «زي العجب» مع أمريكا.
ومن حق الحارث وحكومته أن يطالبا بصورة من التقرير، ولكن ليس في مجلس الأمن فنتائج وتقارير الوفود الفنية، خاصة المتعلقة بالكيماوي أو الأسلحة المحظورة، يتم التعامل معها كأدلة وليست وثائق إعلامية تُتداول في مثل هذه الجلسات. وبالتالي لا تُنشر إلا أمام الدوائر العدلية والمحاكم ولجان التحقيق الرسمية أو جهة عدلية مختصة، وهناك يمكن للحارث أن يطالب بولس بالدليل.
فنشرها الآن خارج هذا الإطار قد يؤثر على سير العدالة أو يعرّض الشهود والمحققين للخطر، كما أنها تعتمد على مواقع أخذ العينات وطرق التحليل وبيانات مخبرية دقيقة. وهذه المعلومات تتعامل معها أمريكا كمعلومات شبه استخباراتية، لذلك لا تُنشر إلا لجهة عدلية مختصة.

وأمريكا ليست ملزمة بتسليم نسخة من التقرير للحكومة، لأن الجلسة خُصصت فقط لطرح هدنة، والحارث إدريس لا يقف مع بولس في المحكمة الجنائية حتى يطلب الدليل. فكل ما قاله بولس أنه حذّر من استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، مؤكدًا أن الولايات المتحدة سترد بحزم عبر فرض عقوبات على المتورطين في مثل هذه الانتهاكات.
فلماذا لم يردّ المندوب بحديث يوجّهه للمجلس بأن الجيش لم يستخدم الكيماوي ويرفض ادعاءات مستشار ترامب؟
لماذا أخرج الحارث إدريس كل ما عنده؟

ولنقف على عدة نقاط كشفت أن الحكومة السودانية في مأزق من خلال قراءة كلمة الحارث إدريس:
أولًا: كشف الحارث أن الحكومة التي قالت إنها لم تستخدم الكيماوي ولن تسمح بهذا الاتهام، تراجعت وفتحت بابها.
ثانيًا: الحكومة قالت إنها لن تسمح للجنة تحقيق دولية بدخول السودان، وإن التحقيق لن تقوم به إلا لجنة وطنية، سمحت للجنة الدولية التي دخلت وأخذت عيناتها.
ثالثًا: كشف الحارث أن الحكومة تفتقر للثقة في نفسها؛ فالسفير لماذا «تورمت قدماه» لمعرفة النتيجة طالما أن الحكومة لم تستخدم الكيماوي !!
رابعًا: كشف الحارث إدريس عدم احترام الحكومة الأمريكية للمسؤولين والدبلوماسيين للحكومة الانقلابية؛ سفير يتردد على مباني الخارجية «سنة كاملة» ولم تعره اهتمامًا.
خامسًا: أخفق الحارث إدريس في مهمته كمندوب؛ إذ كان ينبغي أن يكون حديثه عن الهدنة وموقف الحكومة، لكنه تحوّل إلى محامي دفاع لتبرئة الحكومة في ساحة خطأ وفي وقت خطأ.
سادسًا: لم يقدم المندوب تقريرًا أو نتيجة للجنة الوطنية «الموقرة»، وهو ما يكشف أنه لا توجد لجنة وطنية أصلًا!
سابعًا: ما قاله إدريس كشف أهم نقطة: أن أمريكا لوّحت بالاتهام بالكيماوي والعقوبة في مجلس الأمن بعد نتائج اللجنة الأمريكية، التي زارت السودان مما يعني أنها تمتلك الدليل القاطع

لذلك لا أدري لماذا صفق الإعلام الكيزاني لكلمة الحارث إدريس وهي تحمل كل هذه الثغرات، وتكشف أن الحكومة تمت إهانتها بهذا الشكل المذل.
ويبدو أن رفض البرهان نفسه للهدنة محل إعادة نظر فالحكومة السودانية لمّحت بالتنصل من هذا الرفض.
وقالت الخارجية أمس إنها تابعت ما ورد في إحاطة مسعد بولس، أمام مجلس الأمن، وما تضمنته من إشارة إلى رفض مجلس السيادة الانتقالي لورقة تقدم بها. وتؤكد الوزارة أن هذا الحديث غير دقيق ولا يعكس حقيقة المواقف التي ظلت تتبناها الحكومة وتعاطت بصورة بناءة مع ما أشار إليه بولس، و تجدد تأكيدها أنها مع أي مساعٍ جادة لإنهاء الحرب.
وهذا يعني محاولة عدم رفض الهدنة، لكن البرهان يريد حوارًا مع أمريكا، والأخيرة ترى أن الجنرال استهلك طاقتها في الفرص، لذلك لوّحت بالكيماوي .

طيف أخير:

لا_للحرب

كلما دخلت الحكومة في مأزق خلقت على السوشيال ميديا قضايا انصرافية بهدف تشتيت الانتباه، فالاستقبال الرسمي ل “أبو رهف” في هذا التوقيت هو عملية لصرف النظر عمّا يدور دوليًا وما يجري على الأرض.

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة