أكبر فاتورة خراب في تاريخه

دكتور اسامة المرضي
دكتور اسامة المرضي

دكتور اسامة المرضي يكتب ..

لو أن أحدهم جاء إلى أي سوداني في أكتوبر عام 2021م وقال له أمامك خياران لا ثالث لهما إما أن تدفع عشرة مليارات دولار فقط حتى يبدأ السودان رحلة التعافي الاقتصادي والتنمية أو تؤجل القرار قليلاً ثم تعود بعد بضع سنوات لتجد نفسك مطالباً بدفع تريليون ونصف التريليون دولار فقط حتى تعيد البلاد إلى النقطة التي كانت تقف عندها قبل الانهيار لاعتقد الجميع أن الرجل يمزح أو يروي نكتة من نكات السودانيين التي لا تنتهي ولكن للأسف ما كان يبدو مستحيلاً بالأمس أصبح اليوم واقعاً مؤلماً يعيشه ملايين السودانيين بكل تفاصيله القاسية.
في أكتوبر 2021م كان السودان يقف أمام فرصة تاريخية ربما لم تتكرر منذ استقلال البلاد. صحيح أن الاقتصاد كان يعاني من تراكمات ثلاثة عقود من العقوبات الدولية، والعزلة السياسية، وسوء الإدارة، والفساد ، والديون الخارجية، والانهيار المتواصل في قيمة العملة الوطنية، إلا أن المؤشرات بدأت تتغير بصورة تدريجية. فقد بدأت العلاقات مع المجتمع الدولي تعود إلى طبيعتها، وبدأت المؤسسات المالية العالمية تتحدث عن دعم السودان، وبدأ المستثمرون ينظرون إلى السودان باعتباره بلداً يملك واحداً من أكبر الاحتياطيات الزراعية والمعدنية في إفريقيا، وكانت هناك نافذة أمل حقيقية للخروج من النفق.
في ذلك الوقت أعلن رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك بكل وضوح أن السودان لا يحتاج إلى معجزة اقتصادية ولا إلى اكتشاف بئر نفط بحجم الخليج العربي، وإنما يحتاج فقط إلى حوالي عشرة مليارات دولار خلال عامين حتى يتمكن من إطلاق برنامج التعافي الاقتصادي. وقد تم توزيع هذا المبلغ بصورة عملية ومدروسة، حيث خُصصت ثماني مليارات دولار لدعم الاقتصاد وتمويل الواردات الضرورية وتحريك عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، بينما خُصص مليارا دولار كاحتياطي للنقد الأجنبي لحماية قيمة الجنيه السوداني، واستقرار سعر الصرف، والسيطرة على التضخم، وتأمين الأسواق من الانهيار.
عشرة مليارات دولار فقط… نعم، عشرة مليارات دولار، وهو مبلغ قد يبدو ضخماً بالنسبة للفرد العادي، لكنه بالنسبة لاقتصاد دولة كاملة يعد مبلغاً محدوداً للغاية، خاصة إذا قورن بما تنفقه بعض دول العالم على تنظيم بطولة رياضية واحدة أو إنشاء مدينة جديدة أو شراء أسطول من الطائرات. بل إن هذا الرقم لا يمثل سوى أقل من واحد بالمائة من بعض خطط الإنفاق السنوية في الاقتصادات الكبرى، وكان يمثل أقل من واحد في المائة من تكلفة إعادة الإعمار التي يتحدث عنها الخبراء اليوم.
ولكن، كما يقول المثل: “من استعجل الوصول، كثيرًا ما وصل إلى المكان الخطأ.” وكما يقول مثل آخر: “بدلاً من تغيير المصباح، قطع الكهرباء عن الحي بأكمله.”
وفي الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2021م وقع الانقلاب العسكري الذي غيّر مسار السودان بالكامل، وكأن قطار الاقتصاد الذي بدأ يتحرك بعد سنوات طويلة من التوقف قد تم نزع القضبان من أمامه وهو يسير بأقصى سرعته.
ولم تمر سوى ساعات قليلة حتى بدأت النتائج تظهر بصورة مباشرة. فقد جُمِّدت مساعدات أمريكية بقيمة سبعمائة مليون دولار فوراً، وتوقفت برامج التمويل والدعم الاقتصادي القادمة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي وشركاء التنمية الآخرين، وتعطلت برامج الإصلاح الاقتصادي، وتراجعت ثقة المستثمرين، وتوقفت المشاريع التي كانت تنتظر الاستقرار السياسي، كما أصبح السودان مهدداً بفقدان واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية في تاريخه، وهي إعفاء ديون خارجية بلغت نحو خمسين مليار دولار تقريباً ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، وهو إعفاء كان من الممكن أن يفتح الباب أمام استثمارات وتمويلات جديدة بمليارات الدولارات.
ولو توقف الأمر عند الانقلاب وحده، لكانت الكارثة كبيرة بالفعل، لكن القدر كان يخبئ للسودان مأساة أكبر.
ففي الخامس عشر من أبريل عام 2023م اندلعت الحرب بين قائدي الانقلاب نفسيهما، بعد أن كانا شريكين في الاستيلاء على السلطة، فتحولت الخلافات السياسية إلى حرب مدمرة، وأصبحت الخرطوم ومدن السودان الأخرى ساحات قتال، وتحول الاقتصاد من اقتصاد يعاني من أزمات مزمنة إلى اقتصاد يواجه خطر الانهيار الكامل.
وخلال ثلاث سنوات فقط من الحرب، وهي فترة قابلة للزيادة إذا استمرت المعارك، أصبح الحديث يدور عن أرقام لم يكن أكثر الاقتصاديين تشاؤماً يتوقع سماعها.
فقد أصبحت بعض التقديرات تشير إلى أن تكلفة إعادة إعمار السودان قد تصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار، وهو رقم يكاد يعادل الناتج المحلي الإجمالي السنوي لعدد من الاقتصادات الكبرى مجتمعة، ويزيد بمئات المرات على ما كان السودان يحتاج إليه قبل الانقلاب.
وتشير هذه التقديرات إلى أن إعادة إعمار الخرطوم وحدها قد تحتاج إلى حوالي 400 مليار دولار بسبب الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية، والطرق، والجسور، والمطارات، والمباني الحكومية، والمنازل، والمصانع، والمصارف، والمؤسسات التعليمية والصحية. أما بقية ولايات السودان فقد تحتاج إلى ما يقارب 1000 مليار دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب بصورة مباشرة وغير مباشرة، بينما يحتاج القطاع الصحي وحده إلى ما لا يقل عن 15 مليار دولار لإعادة بناء المستشفيات والمراكز الصحية والمعامل وشبكات الإمداد الدوائي وتأهيل الكوادر الصحية.
ولم تتوقف الخسائر عند البنية التحتية فحسب، بل امتدت لتضرب قلب الاقتصاد السوداني. فبعد أن كان الناتج المحلي الإجمالي قد انكمش بأكثر من 40% خلال العام الأول من الحرب، وهو من أعلى معدلات الانكماش الاقتصادي التي شهدها العالم خلال فترة زمنية قصيرة، تشير التقديرات الاقتصادية والاستراتيجية إلى أنه بعد مرور ثلاث سنوات من الحرب قد يكون الاقتصاد السوداني قد فقد ما بين 50% و60% من حجمه الحقيقي مقارنة بمستواه قبل اندلاع الحرب، نتيجة استمرار تدمير الأصول الإنتاجية، وتعطل النشاط الزراعي والصناعي والتجاري، وانهيار الصادرات، وتراجع الاستثمارات، وهروب رؤوس الأموال، وتفكك سلاسل الإمداد، وانخفاض الإيرادات العامة للدولة. كما فقدت مئات الآلاف من الشركات والمؤسسات قدرتها على الإنتاج، وتوقفت آلاف المصانع والمزارع عن العمل، وارتفعت معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تقلصت القوة الشرائية للمواطن بصورة حادة، ليتحول الاقتصاد السوداني من اقتصاد يعاني أزمات هيكلية مزمنة إلى اقتصاد يعيش واحدة من أسوأ حالات الانهيار في تاريخه الحديث، وربما من بين أكبر الانهيارات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين.
أما الذهب، الذي كان كثيرون يصفونه بأنه المنقذ المحتمل للاقتصاد السوداني، فقد تحول إلى قصة أخرى مليئة بالمفارقات. فمن المفترض أن السودان يعد من أكبر منتجي الذهب في إفريقيا، وكانت العائدات الرسمية لصادرات الذهب قبل الانقلاب والحرب تتجاوز ملياري دولار سنوياً، وكان من الممكن أن تشكل هذه العائدات مورداً رئيسياً لدعم الميزانية العامة وتمويل الخدمات الأساسية والتنمية.
لكن الواقع سار في اتجاه مختلف تماماً، إذ استمرت عمليات إنتاج الذهب وتصديره، إلا أن جانباً كبيراً من عائداته لم يدخل خزينة الدولة، وتشير تقديرات عديدة إلى أن أكثر من 80% من عوائد الذهب ذهبت عبر قنوات غير رسمية أو استخدمت في تمويل أطراف الحرب وشبكات التهريب وحلفائهم، بدلاً من أن تذهب لبناء المدارس والمستشفيات والطرق ومحطات الكهرباء ومشروعات المياه وترقية البنية الفوقية للعاملين بالدولة.
ولو أردنا تبسيط الصورة بالأرقام، فإن السودان كان في عام 2021م يحتاج إلى 10 مليارات دولار فقط حتى يبدأ رحلة التعافي الاقتصادي والانطلاق نحو التنمية، بينما أصبح في عام 2026م، بعد سنوات الانقلاب والحرب (حوالي خمس سنوات)، يحتاج وفق بعض التقديرات إلى نحو 1.5 تريليون دولار حتى يعود فقط إلى النقطة التي كان يقف عندها قبل الانهيار، أي أن الفاتورة ارتفعت بحوالي 150 ضعفاً. وبعبارة أخرى، فإن كل دولار كان مطلوباً للنهضة قبل الانقلاب أصبح يقابله اليوم نحو 150 دولاراً لإعادة إصلاح ما دمرته الحرب، وهي مقارنة تكفي وحدها لإدراك حجم الكارثة الاقتصادية التي تعرض لها السودان.
ولعل أكثر ما يثير الألم أن هذه التريليونات لا تعني بناء مستقبل جديد، وإنما تعني فقط إعادة تشييد ما كان موجوداً أصلاً قبل الحرب. إنها أموال ستنفق على إزالة الأنقاض، وإعادة بناء الجسور والطرق والمطارات والمنازل والمستشفيات والمدارس والجامعات وشبكات المياه والكهرباء، أي أننا لا نتحدث عن مشاريع تنموية جديدة، وإنما عن محاولة العودة إلى نقطة البداية.
وحتى إذا توقفت الحرب هذه اللحظة، فإن السؤال الكبير يبقى مطروحاً: من أين سيأتي السودان بمبلغ يقترب من تريليون ونصف التريليون دولار؟ ومن هي الدول أو المؤسسات الدولية التي تستطيع أو ترغب في تمويل فاتورة بهذا الحجم؟ الواقع يقول إن الحصول على مثل هذا الدعم يبدو بالغ الصعوبة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الحالية، وتنافس الأزمات الدولية، واشتراطات المانحين المتعلقة بالاستقرار السياسي، والحكم الرشيد، والشفافية، وسيادة القانون.
ولهذا فإن وقف الحرب، رغم ضرورته القصوى، لا يمثل سوى الخطوة الأولى في طريق طويل جداً. فالحلول المؤقتة أو الاتفاقات الجزئية لن تكون كافية إذا لم تتناول جذور الأزمة السودانية بصورة شاملة، بما في ذلك تحقيق توزيع عادل ومقبول للثروة والسلطة بين جميع أقاليم السودان دون تمييز أو إقصاء، وإقامة نظام حكم يحقق المشاركة الواسعة ويمنع احتكار السلطة، والانفتاح على العالم وبناء علاقات خارجية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
ومن بين الأفكار التي يطرحها بعض السياسيين والأكاديميين كذلك فكرة الحكم الكونفدرالي، وهو نموذج يقوم على اتحاد بين أقاليم أو كيانات تتمتع باستقلال واسع جداً في إدارة شؤونها الداخلية، بينما تتفق فيما بينها على إدارة عدد محدود من القضايا المشتركة، مثل السياسة الخارجية أو الدفاع أو بعض الجوانب الاقتصادية، مع احتفاظ كل إقليم بمعظم صلاحياته وسلطاته. ويرى مؤيدو هذا الطرح أنه قد يمنح الأقاليم مساحة أكبر لإدارة مواردها وشؤونها، بينما يرى آخرون أن أي تغيير في شكل الدولة يحتاج إلى توافق وطني واسع ودراسة متأنية حتى يحقق الاستقرار ولا يخلق تحديات جديدة.
ومع استمرار الحرب، فإن عداد الخسائر لا يتوقف عن الدوران. فكل يوم يمر يعني مزيداً من الدمار، وكل أسبوع يعني هجرة المزيد من الأطباء والمهندسين والأساتذة والعمال المهرة، وكل شهر يعني انهيار المزيد من المدارس والمصانع والمزارع، وكل عام يعني ارتفاعاً جديداً في فاتورة إعادة الإعمار. وإذا استمرت الحرب سنوات إضافية، فإن المبلغ المطلوب لإعادة السودان إلى الحالة التي كان عليها أيام حكومة الدكتور عبد الله حمدوك لن يبقى عند تريليون ونصف التريليون دولار، بل قد يرتفع إلى مستويات أكبر، لأن الخراب لا يتوقف عن إنتاج نفسه.
إن الخسارة الحقيقية ليست في الأموال وحدها، وإنما في مستقبل أجيال كاملة. فقد ضاعت سنوات من التعليم، وتعطلت الجامعات، وتشرد الملايين، وهاجر مئات الآلاف من أصحاب الكفاءات، وفقد الأطفال فرصاً لا يمكن تعويضها بسهولة، وأصبح شباب السودان يدفعون ثمن صراع لم يختاروه. وكما يقول المثل السوداني: “الكسر ما بجبره الكلام.” وكما يقول مثل آخر: “إذا اختلف الرعاة ضاعت الغنم.” وللأسف، كانت الغنم هذه المرة هي السودان كله.
إن المقارنة بين عشرة مليارات دولار كانت تكفي للانطلاق نحو النهضة في عام 2021م، وبين تريليون ونصف التريليون دولار قد يحتاجها السودان اليوم للعودة فقط إلى نقطة البداية، ليست مجرد مقارنة مالية، بل هي تلخيص مكثف لحجم التحول المأساوي الذي أصاب البلاد خلال سنوات قليلة. لقد انتقلت فاتورة السودان من مشروع بناء إلى مشروع إنقاذ، ومن حلم بالتنمية إلى محاولة للبقاء، ومن أمل في المستقبل إلى البحث عن الماضي.
ضاع مستقبل أجيال كاملة، وضاعت سنوات كان يمكن أن تكون بداية نهضة السودان الحديثة. آهٍ من الوجع… وآهٍ من الألم… وآهٍ على وطن كان يحتاج إلى عشرة مليارات دولار ليبدأ مسيرة التنمية، فأصبح يحتاج إلى تريليون ونصف التريليون دولار ليعود فقط إلى المكان الذي كان يقف فيه قبل أن تعصف به رياح الانقلاب والحرب.

منقول

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة