أعمدة ومقالات

المنحاز للوطن

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول:
غدٌ يجيءُ ولو تأخّر موعده
يكفي بأن القلبَ للضوءِ يستعدّ

وفي لحظةٍ تتقدّم فيها البنادق على الكلمات، يبدو المسؤول عن الخطاب العسكري وكأنه يقف في الصفّ الخلفي، يراقب المشهد أكثر مما يصنعه. فغياب الصوت الرسمي في اللحظات الحاسمة، وتقدّم المنشقين إلى المنابر بدلاً عن القيادات، يكشفان فجوة لا يمكن تجاهلها؛ بين قوة الميدان وضعف الرواية.

إن المؤسسة التي تحمل عبء الحرب لا تزال عاجزة عن حمل عبء الخطاب، فتترك الآخرين يكتبون قصتها، ويصوغون بداياتها ونهاياتها، بينما هي تكتفي بالصمت.

ووقف النور قُبّة بالأمس على مسرح الحرب العبثية في السودان، يتحدث بلسان المؤسسة العسكرية عن انتصارها على قوات الدعم السريع في كردفان. تحدث الرجل وكأنه يتبرأ من ماضيه في الدعم السريع، وأن سجله القتالي قد مُحي من الذاكرة تماماً.

وهذا النوع من التصريحات ليس مجرد محاولة لتبرئة الذات؛ فالمنشق يريد حماية نفسه بالمؤسسة، والجيش يريد تعزيز رواية الانهيار. في هذه المساحة أو منطقة الزيف، تُعاد كتابة الأدوار، ويُعاد تعريف “المجرم” و“المنحاز للوطن” وفق معايير لعبة الحرب لا ميزان العدالة.

ظهر قُبّة في خطابه الأخير كأنه لم يكن جزءاً من آلة الحرب التي كان يقودها الدعم السريع، متحدثاً بلسان الجيش وكأن التاريخ يبدأ من لحظة انشقاقه.
تحدث قُبّة اليوم بلهجة المنتصر، متبنياً خطاب الجيش، وكأن سنوات مشاركته في عمليات الدعم السريع ليست جزءاً من المشهد الذي يحاول التنصل منه.

خطاب يوحي بأن الرجل يتحدث ليعيد تعريف نفسه سياسياً، وأن دوره السابق في الدعم السريع مجرد تفصيل يمكن تجاوزه. ينتقل من موقع القائد في منظومة ارتكبت انتهاكات واسعة، إلى موقع “المنحاز للوطن” الذي لم يكن جزءاً من تلك المنظومة.

والجيش بدوره يوظّف هذا الخطاب بقصد؛ فهو يقدّم المنشقين كعائدين إلى الصف الوطني، متجاوزاً عمداً تاريخهم السابق، لأن ذلك يخدم روايته عن انهيار الدعم السريع. والإعلام يضخم هذا التحوّل، خاصة حين يُنقل تصريح قُبّة دون وضعه في سياقه، فيبدو وكأنه شاهد محايد لا طرف سابق في الصراع.

ويعتبر الجيش هذا الاستسلام مؤشراً على بدء انهيار قوات الدعم السريع، حسب ما أفاد القيادي الذي تستحي المؤسسة العسكرية أن تمنحه صفة “قيادي بالجيش”. فمتى يظل قُبّة بصفة “المنشق عن الدعم السريع”؟
وأفاد أمس بصفته الفاتح والبطل الذي حقق النصر بأن مجموعة من الدعم السريع استسلمت بعد الهزائم التي مُنيت بها قواتهم في محاور بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ وجريجخ، داعياً بقية العناصر إلى إلقاء السلاح. أي والله، هو أيضاً يريد للدعم السريع أن يستسلم فوراً.

ابقَ معي واقرأ ماذا قال القيادي بالجيش النور قُبّة:
أشار إلى أن قوات الدعم السريع لا تزال تتلقى دعماً خارجياً من جهات ودول لم يسمّها، معتبراً أن استمرار القتال يخدم أجندات لا ترتبط بمصلحة المقاتلين. (تطور في الخطاب العسكري بلغة سياسية رفيعة).

فالنور قُبّة يتحدث اليوم بلسان الجيش وبصفته قيادياً في السلطة، متبنّياً خطاباً وطنياً، وتاريخه في قيادة عمليات الدعم السريع مُسح بجرة تصريح.

لكن هذا التحوّل ليس بريئاً، ولا يمكن فصله عن سياق الحرب، ولا عن محاولات إعادة التموضع التي يلجأ إليها قادة ميدانيون حين تتغيّر موازين القوة. لذلك من الطبيعي، عندما يتقدم الدعم السريع ميدانياً بقيادة النور قُبّة — عفواً، أقصد الجيش — ستنمو داخل النور رغبة الحكم والكرسي، وسيأتي ليساوم بصفته العسكرية. أليس هو صاحب القوات التي حققت التقدم والفتوحات والانتصارات، والذي لا يقل شيئاً عن مناوي أو كيكل؟ ولماذا لا تولد هذه الرغبة بداخله وتنمو وترعرع في كنف المؤسسة العسكرية؟

لذلك ربما يتلقى البرهان طلباً صريحاً من الرجل بإيجاد مقعد له في السيادي أو منح واحد من رجاله وزارة، أسوة بوزير المعادن نور الدائم طه القيادي بحركة مناوي.
وهذا الانطباع يخصم من هيبة المؤسسة، حتى لو كان الهدف تكتيكياً.

فالمنشقون عندما يتحدثون باسم المؤسسة، فإن القيادة العسكرية تريد بذلك إحراج الدعم السريع من الداخل، وتؤكد أن الخصم يتفكك، ولكي تكون الرواية أشد وقعاً ومصداقية تأتي من قُبّة، الذي يقدم معلومات قد لا يستطيع الجيش الحديث عنها.

لكن عندما يصبح صوت المنشق أعلى من صوت المؤسسة، تتحول الأداة إلى عبء، ويكشف ذلك فجوة في الخطاب العسكري، تتمثل في غياب الناطق الرسمي في اللحظات الحرجة، وغياب المؤتمرات الصحفية المنتظمة، واللغة الموحدة للجيش في الإعلام.

وهذا التكتيك خطورته أنه يجعل المنشق يبدو كأنه “المصدر الأقوى”، وينسى الجيش أنه هو صاحب الميدان.

طيف أخير:

لا_للحرب

عقد مكتب العمل الخارجي بلجنة التنظيم بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) نهار اليوم السبت اللقاء التنويري الأول مع مراكز تحالف (صمود) بالخارج، بمشاركة واسعة من ممثلي المراكز في مختلف الدول. وجاء اللقاء في إطار تعزيز التواصل المباشر، وإحكام التنسيق، ومراكمة توحيد الجهود، وتعميق التفاعل والتحاور المباشر بين قيادة تحالف (صمود) وعضويتها.

وتعد هذه من أهم الخطوات في العمل السياسي؛ فالتواصل الجماهيري يفتح آفاقاً فكرية جديدة، ويشيّد جسوراً صلبة بين القيادة والقواعد، ويختصر سبل الوصول إلى الأهداف السياسية والغايات.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة