أعمدة ومقالات

الجيش القومي بين الشعار والواقع: من يتحمل مسؤولية الأزمة؟

د. الأمين بلال مختار
August // 3 // 2026
*alaminmukhtar@hotmail.com

تمهيد: عندما يصبح الشعار بديلاً عن الحقيقة
تكثر هذه الأيام عبارة: “الجيش جيش السودان كله”. وهي عبارة كان من الممكن أن تكون صحيحة لو التزم الجيش بواجباته وتخلى عن التدخل في إدارة الدولة، لكنها في حقيقة الأمر مغالطة تُستخدم لإغلاق باب النقد والمحاسبة.
فالسؤال ليس عن مكانة الجيش في وجدان الشعب، بل عن طبيعة المؤسسة العسكرية اليوم: هل هي مؤسسة قومية مهنية، أم مؤسسة تمت هيكلتها سياسياً؟

أولاً: قومية الجيش تُقاس بالمعايير لا بالشعارات
المؤسسة القومية هي التي تقوم على الكفاءة والقانون والمسافة المتساوية من جميع المكونات السياسية.
أما ما حدث خلال العقود الثلاثة الماضية فهو إعادة هيكلة واسعة للمؤسسة العسكرية والأمنية وفق معيار الولاء السياسي. تمثل ذلك في الإحالات الجماعية، والترقيات الاستثنائية، وإنشاء تشكيلات موازية داخل القوات المسلحة وخارجها.
النتيجة كانت تعدد الجيوش والمليشيات والأجهزة الأمنية. وهذا الواقع يتناقض تماماً مع مفهوم الجيش القومي الذي يحمي الدولة ولا يحكمها.

ثانياً: من أدخل السياسة إلى الثكنات؟
الجيوش المحترفة تحمي الدستور ولا تصنعه.
لكن تجربتنا منذ 1989 تقوم على العكس: انقلاب عسكري لصالح الحركة الإسلاموية أوصل للسلطة، ثم حكم مباشر، ثم تأسيس كيانات سياسية، ثم تمدد اقتصادي وتجاري للمؤسسة العسكرية.
وعندما تمت مطالبتهم بالعودة للثكنات بعد ثورة 2019، لم تتم الاستجابة؛ فعادت عبر انقلاب 25 أكتوبر 2021. وتحكمت في كل المشهد السوداني.
هذه الإجراءات هي التي أجهضت التحول الديمقراطي، وعمقت الاستقطاب، ومهّدت الطريق للحرب.
لذلك من غير المنطقي المطالبة بفصل الجيش عن المسؤولية السياسية عن قراراته.

ثالثاً: تفكيك خطاب “العالم كله ضدنا”
يُروج لرواية مفادها أن الجيش يواجه تحالف 17 دولة.
هذه مبالغة إعلامية هدفها التغطية على الفشل. فلا توجد دولة في العصر الحديث تُحاربها 17 دولة مباشرة داخل عاصمتها.
والحقيقة أن التدخلات الخارجية موجودة تجاه جميع أطراف الصراع، وهي كارثة يجب إدانتها ومعالجتها سياسياً.
الأخطر من ذلك هو فصل الانتصار العسكري عن الانهيار المدني. ما قيمة الحديث عن الصمود والمواطن بلا كهرباء ولا ماء ولا علاج ولا مرتب؟
من المسؤول عن الشركات العسكرية خارج ولاية وزارة المالية؟ ومن المسؤول عن استمرار الحرب بدلاً من البحث الجاد عن حل سياسي؟

رابعاً: السكوت ليس وطنية
البلاد لا تُبنى بالصمت على الفشل، بل بالنقد والمحاسبة.
تجربة 2019 أثبتت أن التغيير يبدأ بالشارع والمساءلة، وأن التراجع بدأ عندما تحول النقد إلى “خيانة” والتبرير إلى “وطنية”.
من حق المواطن أن يسأل عن الميزانية، وعن الشركات التابعة للمؤسسات النظامية، وعن أسباب تعليق كل إخفاق على شماعة “المؤامرة”.

الخاتمة: مشروع الإصلاح لا مشروع التخوين
نحن لا نستهدف المؤسسة العسكرية. نحن ندافع عنها من أن تتحول إلى أداة حزبية.
مطلبنا واضح: جيش قومي واحد، بعقيدة وطنية، بعيد عن السياسة والاقتصاد، خاضع لسلطة مدنية، مع محاسبة كل من ساهم في إشعال الحرب أو إطالة أمدها.
بدون ذلك سنظل ندور في الدائرة الملعونة: انقلاب ثم فشل ثم حرب ثم تبرير.

الوطن أكبر من أي مؤسسة. والإصلاح يبدأ بالاعتراف بالخلل.
_ولا يصح إلا الصحيح وبس

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة