تمهيد: أزمة المرجعيات في زمن السيولة السياسية والإعلامية، من الطبيعي أن تظهر أصوات جديدة. لكن غير الطبيعي أن تصبح هذه الأصوات – مجهولة الهوية والخبرة – هي المرجعية التي يُبنى عليها التحليل السياسي وتُتخذ على أساسها المواقف. الصحفي ضياء الدين واضح أنه يعوّل على شخصية افتراضية لا نعرف عنها: لا اسم، لا تاريخ مهني، لا مؤسسة، لا مساءلة. ثم يصفه “بالأستاذ الانصرافي” بكل وقار وهيبة أكاديمية.
من هو “الأستاذ”؟ “الأستاذ الانصرافي” بالنسبة لكثيرين ليس إلا اسماً مستعاراً في غرف التواصل. لا خلفيته معروفة، ولا دوافعه، ولا معاييره. مرة يظهر كـ “ريبوت” يردد خطاباً واحداً، ومرة كصوت يغذي الاستقطاب، ومرة يلبس ثوب “الغفلة” الذي يوزع صكوك الوطنية والتخوين حسب المزاج. وهو صنيعة أمنية. طبعاً ضياء الدين نفسه يلهث من أجل مصالحه الخاصة. الرجل في الجامعة كان شيئاً آخر، وسرعان ما أصبح يعبر عن “الكيزان” وفلولهم بالتحديد.
خطر التعويل على إناء فارغ المشكلة ليست في “الانصرافي” كظاهرة. الظواهر دي بتظهر في كل الحروب. المشكلة في من يمنحه الشرعية. عندما يطلع صحفي أو سياسي ويقول “قال ليك الأستاذ الانصرافي” كأنه ينقل عن مركز دراسات استراتيجية، نحن هنا أمام كارثة مهنية وأخلاقية.
ترسيخ لخطاب الكراهية: المنصات المجهولة غالباً شغلها الأساسي التعبئة وتأجيج الحرب، لا تقديم الحل.
هروب من المسؤولية: “الأستاذ قال” بقت شماعة نعلق عليها الفشل في التحليل ونغسل بها أيدينا من تبعات الكلام.
الخلاصة: نريد وطناً يسود فيه صوت الحق لا “نقل الإشاعات” الصحافة مهنة مسؤولية، والسياسة فعل وعي. والشعب الذي يدفع ثمن الحرب من دمه ولقمته يستحق إعلاماً يحترم عقله. من حق أي زول يتابع من يشاء ويسمع من يشاء. لكن من غير المقبول أن يتحول المجهول إلى “أستاذ” وأن يتحول النقل عنه إلى مادة رأي. الوطن لا يُبنى بالريبوتات ولا بالأسماء المستعارة. الوطن يُبنى بالشفافية والمساءلة والمواجهة بالحقائق – حتى لو كانت قاسية.ولا يصح إلا الصحيح وبس.