اخبار

بألسنتهم

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول:
ما زال فينا من يصفّق للخراب،
ويمنح اللصّ مفتاح النجاة.

وفي يونيو 2025 كنا قد تحدثنا عن أن ديوان المراجع العام في السودان تربطه علاقات متينة بالسلطة الانقلابية، وأن هناك فساداً إدارياً ومؤسسياً داخل الديوان. وذكرنا أن الفساد في السلطة الانقلابية يبدأ من مكتب المراجع نفسه: مرتباته، مخصصاته، بدلاته المليارية، سياراته الموجودة في بورتسودان و«المخزّنة» بمدينة خشم القربة، وكذلك حصته المعلومة في المال العام ضمن الدائرة الانقلابية الفاسدة. وأن المادة «7/2/ج» من قانون ديوان المراجعة القومي أعطت الديوان الحق في طلب تعديل القوانين إذا كانت غير ملائمة أو فيها هدر للمال العام، لكن استغلّها المراجع العام وأجاز بها مخصصات للمراجع العام ونوابه بقرارات خارج القانون. فالمراجع «الذي لا يراجع» لن يكون نموذجاً جيداً لمحاربة الفساد، لأنه غارق فيه.

حتى عندما زار رئيس الوزراء كامل إدريس الديوان، وحدثه المراجع العام عن حصول الديوان على المركز الأول في مؤشر الاستقلالية بين الأجهزة الرقابية على مستوى الدول العربية، والثاني على مستوى أفريقيا، والسابع عشر عالميًا وفقًا لتصنيف البنك الدولي – ذكرنا أن الإنجاز الذي احتفى به المراجع العام وقدّمه كأنه تم في عهد السلطة الانقلابية، هو تقرير للبنك الدولي صدر في عهد حكومة الثورة، الحكومة التي سخّرت آلياتها لمحاربة الفساد وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو. وحتى وقتذاك لم يسلم التصنيف من انتقادات لاذعة من خبراء ومختصين من دول عربية، عزوا ذلك إلى أنه حتى الدول التي أحرزت درجات عالية من الاستقلالية لم ينتج عن ذلك تحسن كبير في مكافحة الفساد.

ولكن ماذا حدث الآن؟!
ففي احتفالية حضرها والي الخرطوم تحدث المراجع العام عن استقلالية الديوان، وعاد الرجل وذكر ذات الحديث الذي قرأه على كامل إدريس: الإنجازات والمراكز العربية والأفريقية التي أحرزها الديوان، وأن الديوان حصل على «المركز الأول» في الاستقلالية والشفافية. ولم يكن الرجل شفافاً، بل مارس ذات التضليل كما مارسه العام الماضي، وصفّق له الحضور كما صفّق الجمهور لفيران توريس لهدفه الذي توّج إسبانيا في نهائي كأس العالم. وأضاف أن الديوان مستقل تماماً عن السلطة السياسية والتنفيذية.

لكن الذي جعل الحديث محلّاً للسخرية هو أن المحتفي بالاستقلالية قال للحضور من القيادات والموظفين في الديوان: «إننا نشكر الفريق البرهان الذي حمى هذه الاستقلالية وأشرف عليها بنفسه. فبعدما قدمنا له تقرير 24، في اليوم الثاني جاء إلينا مدير مكتبه وأفادنا بأن السيد الرئيس وجّه لنا ببناء مقر في بورتسودان من ثلاثة طوابق، والذي سيكتمل الآن وسيكون أجمل من القصر الجمهوري. وفي الخرطوم منحونا أيضاً مبنى في الطائف، ومنحونا عدداً من السيارات الجديدة الموجودة الآن في ميناء بورتسودان، وسيشرف على الاحتفال بها السيد الأمين العام لمجلس السيادة».

وختم الرجل كلمته بالشكر لجميع أعضاء مجلس السيادة ولوزير المالية لكل ما قدموه للديوان!!

إذن، هذه هي «الاستقلالية التامة» من السلطة السياسية والتنفيذية التي تحدث عنها المراجع العام «عيني باردة».

فالرجل الذي التحق بالديوان منذ العام 1977م، أي أنه الآن في السنة الخمسين خدمة. تمت إحالته للمعاش سنة 2011 لكي يتم تعيينه نائباً للمراجع العام، وهي وظيفة دستورية؛ يعني أنه في 2026م أكمل في الخدمة المعاشية 15 سنة. فكل الموظفين الذين كُلّفوا بوظائف دستورية، بمجرد وصولهم سن المعاش، يُنهى تكليفهم، لكنه الوحيد بين المكلفين الذي، عندما كُلّف بأن يكون مراجعاً عاماً، كان في الخدمة المعاشية.

وفي 2011م سُحب ملف خدمته من الديوان، وهو الآن يعمل بلا ملف خدمة. فكل ما يملكه من مستندات هو:
قرار تعيينه نائب مراجع عام، وقرار تكليفه مراجعاً عاماً.

إذن، ما الذي جعل هذا الرجل يحتفظ بالمنصب؟ وهل يحدثنا دون قصد عن «الاستغلالية» للديوان من قبل السلطة الفاسدة؟

وسبحان من أنطق المراجع الذي كشف عن انهيار مفهوم الاستقلالية المؤسية؛ فالديوان هو الجهة التي تراقب أداء السلطة التنفيذية، تراجع حساباتها، تكشف فسادها، وتعمل بمعزل عن تأثيرها. لكن ما ورد في حديثه يكشف أن الديوان يتلقى مباني وسيارات وهبات مباشرة من السلطة التي يفترض أن يراجعها. وهذا يعني أن الاستقلالية التي يتحدث عنها شكلية، وليست حقيقية. وهل طيلة هذه السنوات لم يجد المراجع العام شبهة فساد واحدة للسلطة الحاكمة؟ وماذا حوى التقرير الأخير الذي نال رضا البرهان حتى يمنح الديوان مقراً في اليوم الثاني؟ ولطالما أن بقاء الديوان في بورتسودان مؤقتاً وله مقر في الطائف بالخرطوم، فلماذا تُشيد له عمارة في بورتسودان؟

ألا يعني أن الرجل كشف بكل وضوح تبعية الديوان المباشرة للسلطة السياسية؟ فعندما يقول المراجع العام إن البرهان «حمى الاستقلالية»، وأشرف بنفسه، ووجّه ببناء مبنى من ثلاثة طوابق، ومنح سيارات جديدة، ماذا تبقى للديوان من استقلالية عن السلطة؟

بل هذا يعني أن الديوان أصبح جزءاً من شبكة الولاء السياسي، وليس مؤسسة رقابية مستقلة.

فتضارب المصالح الخطير ظهر جلياً في هذه المنح والهبات، بالإضافة إلى أن الرجل في الأساس يستغل المنصب لتمديد الخدمة خارج القانون: أُحيل للمعاش، ثم عُيّن بوظيفة دستورية، ثم كُلّف من جديد مراجعاً عاماً وهو في الخدمة النهائية. وهذا يعني أن المنصب يُستخدم لخدمة الولاء السياسي، لا لخدمة القانون.

هذا بجانب تسييس مؤسسة رقابية يفترض أن تكون محايدة؛ فعندما يصبح المراجع العام ممتناً للسلطة، شاكراً لها، ومتلقياً هباتها، فهذا يعني أن المؤسسة الرقابية أصبحت أداة سياسية، لا جهة محاسبة.

والغريب أن هذا ليس رأياً أو تحليلاً، بل هو فساد السلطة الانقلابية الذي أصبحوا يجاهرون به قولاً وبألسنتهم.

طيف أخير:

لا_للحرب

قال وزير الدفاع السوداني الفريق حسن داود كبرون: «السودانيون صمدوا في دول اللجوء وحافظوا على كرامتهم دون الاعتماد على المساعدات».

وهذا يعتبر مدحاً زائفاً، لأنه يجمّل واقعاً مأساوياً ويحوّل الألم إلى فضيلة، ويغيّر موقع المسؤولية من السلطة إلى المواطن، ومع هذا يغبّش الحقائق لأنه يتجاهل السبب الحقي للجوء، ويبرّر فشل الدولة عبر تمجيد صمود المواطن الذي يعيش خارج حدودها.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة