طيف أول: للذين لم يتجردوا من الفراغ بعد لكل من عادت عليه الذكرى ضيفةً تضيء له مواجعه، للأصوات العابرة التي تشرّبها الغياب.
وبالأمس قالت رويترز إن الولايات المتحدة الأمريكية منعت الفريق عبد الفتاح البرهان من حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولم تُوفَّق واشنطن في هذا القرار لأنها منحت البرهان قيمة حضور وتأثير لا يستحقهما سياسيًا. فالبرهان ظهر في نيويورك في دورات سابقة بعد اندلاع الحرب، وألقى خطابات أمام الجمعية العامة. ولو شارك البرهان وخاطب الجمعية هذه المرة، فهو لن يضيف شيئًا سوى خطاب مكرّر كما فعل من قبل، حيث لم يغيّر وجهة نظر المجتمع الدولي فيه أو في نظرته للحرب. فوجوده الآن كان سيتم باعتباره حكومة أمر واقع، وليس حكومة معترفًا بها سياسيًا. فالمنع هنا لا يضعف البرهان بقدر ما يمنحه مركزية غير ضرورية في المشهد، ويحوّل غيابه إلى حدث سياسي، بينما الواقع أن السودان يجب أن يُمثَّل بما يليق بشعبه ودولته، لا بما يليق بطرفٍ في حرب. وبالرغم من أن القرار الأمريكي يعكس رؤية واشنطن بأن البرهان طرف في النزاع وليس حكومة شرعية، إلا أن المنع قد يُفسَّر دوليًا من قبل المنظمة وغيرها بأنه إقصاء لتمثيل السودان كدولة عضو. وهذا يعطي البرهان وزنًا سياسيًا أكبر مما يمتلكه فعليًا في الساحة الدولية، ويحوّل غيابه إلى عنوان سياسي. فالإعلام المقرّب منه وأنصاره استغلّوا قرار منع البرهان من حضور الجمعية العامة، وحوّلوه إلى قصة بطولة مصطنعة لنمرٍ من ورق، وكأن العالم يترصده أو يخشاه. وهذا النوع من الخطاب المناصر و”الهيلمانة” ما هو إلا صناعة صورة وهمية للبرهان باعتباره “قائدًا عالميًا مؤثرًا”، بينما الواقع يعكس عزلة سياسية بلا قدرة ولا قوة. وغياب البرهان عن نيويورك يمكن أن يُقرأ كضعف في التمثيل الدولي، لكن الإعلام الفلولي أعاد صياغته ليبدو وكأنه استهداف دولي لشخصية محورية، رغم أن المجتمع الدولي يتعامل معه باعتباره طرفًا في الحرب وليس ممثلًا شرعيًا. ولو أن الولايات المتحدة تريد الضغط على البرهان للقبول بهدنة مدتها 90 يومًا، فهذا النوع من الضغط عادةً يجعل الطرف المستهدف يتصلّب أكثر، ويحوّل الهدنة إلى معركة سياسية بدل أن تكون خطوة لوقف الحرب، ويتحوّل الأمر إلى صراع بين واشنطن والبرهان. ومنذ أن قرأت مقال البرهان الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” تحت عنوان “كيفية إحلال السلام في السودان”، وطرح فيه رؤيته لإنهاء الحرب المستمرة في السودان، داعيًا إلى تسوية تنطلق من الداخل، وتقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وحصر السلاح في جيش وطني واحد، وإطلاق حوار سياسي سوداني يفضي إلى دستور وانتخابات، مع رفض منح قوات الدعم السريع وضعًا مساوياً للدولة في أي عملية سياسية، أدركت أن البرهان وكأنه يستبق قرار منعه من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة. فالخطاب كان موجّهًا للمجتمع الدولي والأمم المتحدة، وكأنه هو الخطاب نفسه الذي كان سيقرأه أمام الجمعية العامة، مما يعطي انطباعًا بأنه كان يدرك أو يتوقع أن الولايات المتحدة لن تمنحه تأشيرة الدخول. وهذا النوع من الخطابات عادةً يُستخدم عندما يشعر القائد بأن المنصة الدولية قد تُسحب منه، فيلجأ إلى تصدير رسالته عبر الإعلام قبل أن يُغلق الباب أمامه رسميًا. وبذلك يتحوّل الخطاب إلى محاولة لتعويض غياب الحضور الفعلي في نيويورك. هذا عن الرفض للتأشيرة، أما ما بعده فإن المشهد بات يكشف أن واشنطن أغلقت الباب أمام أي تواصل دبلوماسي مباشر مع البرهان في هذه المرحلة. فالقرار لم يتوقف عند كونه إجراءً بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية واضحة بأن التعامل مع القيادة الحالية في بورتسودان لم يعد خيارًا مطروحًا دون تغيير في موقفها من الحرب. والمنع يعكس انتقال واشنطن من سياسة “الضغط الناعم” إلى ضغط أكثر صلابة، ويعيد ترتيب من تعتبره شريكًا صالحًا للحوار حول مستقبل السودان، في وقت تتسع فيه مساحة القوى المدنية لتقديم خطاب بديل يتوافق مع رؤية المجتمع الدولي. ومن جهة ذات صلة، فإن غياب الخطاب العسكري يمنح الوفد المدني هناك فرصة أن يستغلّها جيدًا، ويتحرك بفعالية في اتجاه تصدير الخطاب المدني للمجتمع الدولي وللآذان المؤثرة. فهذا الفراغ يمكّنه من طرح رؤيته بعمق حول مستقبل السودان باعتباره الصوت الوحيد الآن الذي يدفع عملية إبراز موقفه الداعي لوقف الحرب واستعادة الحكم المدني. وحتى لو ناب شخص آخر ليقدّم خطاب البرهان، فإن وجود القوى المدنية في مركز القرار الدولي، دون حضور الطرف العسكري، يجعل صوت المدنيين أكثر وضوحًا، ويمنحهم مساحة أكبر للتأثير على النقاشات الدولية المتعلقة بالسودان.
طيف أخير: #لا_للحرب في بيان وزارة الخارجية الأمريكية أمس وردت عبارة: (إن الولايات المتحدة الأمريكية على أتم الاستعداد للتعامل مع أي طرف يثبت أنه شريك جاد في عملية السلام) . هل مابين الهلالين تحديدا ً جاء ردًا مباشرًا على الخارجية السودانية التي طالبت الخارجية الأمريكية بعدم التعامل مع تحالف صمود باعتباره لا يمثل الشعب السوداني؟! غدًا نغوص في التفاصيل.