أعمدة ومقالات

حوارهم يُشرعِن المتسبب في الأزمة الوطنية

د/ الأمين بلال مختار
6 نوفمبر 2026
*alaminmukhtar@hotmail.com

مقدمة

في كل مرة يضيق الخناق على سلطة الأمر الواقع في بورتسودان، وتزداد عزلتها داخلياً وخارجياً، تخرج علينا بمسرحية جديدة تحت اسم الحوار. وآخر هذه المسرحيات ما يسمى بـ “لجنة الحوار الداخلي”. لجنة لا تملك من أمرها شيئاً، ولا تملك قرار وقف الحرب، ولا تملك حتى اختيار ضيوفها، لكنها تملك مهمة واحدة واضحة: تلميع صورة سلطة البرهان، وتقديمها للعالم على أنها تسعى للسلام، بينما هي في الحقيقة تدير الحرب وتستفيد من استمرارها.

إن ما يسمى بـ “لجنة الحوار الداخلي” لا هدف لها سوى شرعنة بقاء الفريق أول عبد الفتاح البرهان في السلطة. فهي تستمد تحركها وتمويلها ودعمها المادي والسياسي والعسكري من سلطة بورتسودان نفسها، لذلك لا يمكن أن تكون محايدة ولا مستقلة ولا معبرة عن إرادة الشعب السوداني.

والغريب أن بعض الناس ألسنتهم طويلة في الفاضي، يهرفون بما لا يعرفون، ويتحدثون عن الحوار وكأنه غاية في حد ذاته، بينما الحوار الحقيقي يبدأ من الاعتراف بحقيقة الأزمة الوطنية. وحقيقة الأزمة هي الانقلابات العسكرية المتكررة بواجهات سياسية، والتي ظلت تعطل بناء الدولة المدنية منذ الاستقلال، وتعيد إنتاج الاستبداد والفساد والحروب. والقفز على هذه الحقيقة وتجاوزها هو تبسيط مخل بالمشكلة الوطنية، ولن ينتج عنه إلا إعادة إنتاج نفس الفشل بوجوه جديدة.

ومن هذا المنطلق، يجب أن تطرح أي مبادرة جادة حلولاً تعالج جذور الصراع السوداني، لا أن تنشغل بالديكور والمظاهر والصور التذكارية.

لجنة وُلدت ميتة

أما لجنة الحوار فهي وُلدت ميتة، لأنها تعمل تحت سيطرة طرف واحد، وتتحرك داخل حدود ما تسمح به سلطة الأمر الواقع. وليس من مهامها وقف الحرب، ولا دعم خيار السلام، ولا محاسبة من أشعلوها، ولا مخاطبة جذورها.

إذن هي مجرد أداة لتلميع سلطة بورتسودان وعلى رأسها البرهان، وتقديمه للمجتمع الدولي باعتباره طرفاً يبحث عن الحل، بينما هو في الحقيقة جزء أساسي من المشكلة، بل صانعها الأول.

من يتحمل المسؤولية؟

إن تناول أزمات السودان خارجياً، والحديث عن تقسيمه، أمر طبيعي طالما هناك موت ونزوح وفقر وانهيار كامل للدولة. ويتحمل مسؤولية ذلك عبد الفتاح البرهان تحديداً، ومعه الكيزان، فهم المتسببون في كل ما يحدث اليوم، من انقلاب 25 أكتوبر إلى إشعال الحرب واستمرارها، إلى تدمير المؤسسات وتشريد الملايين.

لا يمكن أن يكون الجلاد هو القاضي، ولا يمكن أن يكون من أشعل النار هو من يطفئها، ولا يمكن أن يكون من دمر الوطن هو من يعيد بناءه.

ما هي الأولوية الحقيقية؟

الأولوية الحقيقية هي أن تضع الحرب أوزارها بجلوس المتحاربين أولاً، والاتفاق على وقف إطلاق نار دائم، وإيصال المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الآمنة.

ثم تأتي بعد ذلك القضية السياسية المتعلقة بالمكون المدني وحده. وليس من حق العسكر التدخل في العملية السياسية ولا في أطرافها ولا في أهدافها. فالجيش مكانه الثكنات وحماية الحدود والدستور، وليس حكم الناس وفرض الوصاية عليهم.

إن ما تقوم به لجنة الحوار الداخلي هو ذر للرماد في العيون، وتقديم المصالح الخاصة الضيقة على المصالح العامة للشعب السوداني، ومحاولة لقطع الطريق أمام أي حل حقيقي يقوم على إرادة الشعب.

ما المطلوب؟

المطلوب هو التخلص من الفساد والاستبداد، وطرح حلول وطنية تكسب الجميع ولا تفرقهم، حلول تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والحرية والسلام، لصالح وحدة السودان ونهضته واستقراره.

خاتمة

نأمل تحقيق السلام الشامل والتوافق الوطني، وألا يفلت مجرم من العدالة القانونية والانتقالية، فالعدالة هي أساس السلام، وبدونها سوف تستمر الحروب والصراعات والفتن الداخلية، وسيتعرض الوطن للتمزيق والفشل وعدم الاستقرار.

لقد جرب الشعب السوداني الحوارات الشكلية، والاتفاقات الثنائية، والمساومات على حسابه، ولم يجني منها إلا مزيداً من الدمار. وحان الوقت لحوار حقيقي، حوار لا يشرعن القتلة، ولا يكافئ الانقلابيين، ولا يضع مصير الوطن في يد من تسبب في أزمته.

ولا يصح إلا الصحيح.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة