ليس كلُّ تاريخٍ يُكتب بالحبر. فثمّة تاريخٌ آخر تكتبه المقادير في صمتها، وتخطّه يدُ الغيب على صفحة الأرض، لا يقرأه إلا من أُوتي عيناً ترى ما وراء الظاهر. ومن ذلك ما قاله الإمام الأكبر محيي الدين بن عربي في كتابه «عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب»: «فَإِذَا بَلَغَ اليَتِيمَانِ أَشُدَّهُمَا، وَتَوَفَّتِ الأَدْوَارُ أَمَدَهُمَا، حِينَئِذٍ يَظْهَرُ الكَنزُ، وَتَقُومُ دَوْلَةُ العِزِّ، إِذَا ظَهَرَ الأَمْرُ فِي مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، وَلَاحَ السِّرُّ المَكْتُومُ لِذِي عَيْنَيْنِ.. هَذَا الأَمْرُ هُوَ الكَنزُ الخَفِيُّ بِالبَحْرِ الغَرْبِيِّ.» علي أية حال، منذ أن كان النيلان يجيئان من جهتين، قبل يلتقيان هنا، لم يكن الماءان يلتقيان وحدهما. كانا يجهران سراً بلغةٍ أقدم من الكلام: هنا «مجمع البحرين». ومن هذا المقام نفسه، ربما، لا يبدأ النهر فقط، إنما يبدأ سرٌّ كبير. سرٌّ يأبى أن يُختزل السودان في جغرافيا فائضة على خرائط العالم، أو في هامشٍ ألقاه التاريخ علي آخر صفحاته الغامضة. صحيحٌ أنها صفحةٌ تبدو إلى اللحظة مؤجَّلة القراءة. فالسودان أرضٌ يبدو ظاهرها مثقلاً بالرماد، بينما يخفي باطنها شيئاً يشبه الكنز. كنزٌ سيظهر – في ظنّي – متى بلغ السودان أشدَّه: أقلَّ ادّعاءً، وأكثر معرفةً، وأشدَّ افتقاراً إلى الله. فالسودان بلدٌ يُربَّى بالمحنة أكثر مما يُربَّى بالنعمة. شأنه شأن كلِّ أرضٍ أُريد لها أن تحمل شيئاً من ثقل الروح؛ لا بد أن تُهذِّبها المقادير حتى لا يبقى فيها إلا ما يحتمل النور. وقد يُخرج الله من قلب هذه المحنة معاني لا تصنعها المحنة وحدها، ويحوِّل انكسار الإنسان فيها إلى بابٍ لا يُفتح بالقوة. ولعلّ سرَّ السودان ليس في كثرة ما يدّعيه، لكن في قلّة ادّعائه. يكمن في الإنسان البسيط الذي لا يدري أنه يحمل سراً، في الفقير الذي لم يتعلَّم كيف يتحدّث عن فضله، في المرأة التي تحمل بيتها على ظهرها ثم تمضي، في النازح الذي خرج من داره، ولم يخرج وطنه من قلبه رغم وعثاء السفر. إنه سرُّ الطينة الأولى، لا يكمن في النخبة، ولا في الشعار، ولا في تاج السلطان، إنما في القلب الذي لم تفسده أوهام المعرفة بنفسه. ومن هنا يصبح تاريخ المقدَّس في السودان، ليس تاريخ رجالٍ ادَّعوا القداسة، لكنه تاريخ بشرٍ مرّت بهم فرص القداسة فلم يأبهوا لها. أولياء بلا طواطم، تسبقهم أنوارهم، لو أقسموا على الله لأبرَّهم. أرواحٌ مجهولة الأسماء مشت على هذا التراب، تركت على سيِّرِ الحياة العادية رائحة ذات عبق محبَّب. قد وصف الشيخ عبد العزيز الدبّاغ حالهم في كتابه «الإبريز» فقال: «إِنَّ الْوَلَايَةَ فِي أَهْلِ السُّودَانِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَلَكِنَّهَا مَسْتُورَةٌ بِالْبَسَاطَةِ وَعَدَمِ التَّصَنُّعِ.. طَهَّرَ بَاطِنَهُمْ بِالْمِحَنِ، وَجَعَلَ سِرَّهُمْ مَصُونًا عَنِ الْأَغْيَارِ.» لذلك لا نحتاج أن نفتّش عن المقدَّس في الأبنية الفاخرة. فقد نجده في بيت طينٍ انحنى ظهرُ صاحبه تقرّباً إلى الله، أو في ساقيةٍ شرب منها غريب تائه، أو في ظلّ شجرةٍ جلس تحتها عابر سبيل، أو في أمٍّ رفعت كفّيها إلى السماء لا تطلب أكثر من الستر والعافية. هؤلاء هم الحفظة الذين تحدّث عنهم سيدي أحمد الرفاعي: «إِنَّ دِينَ اللَّهِ فِي آخِرِ الأَيَّامِ لَا يَحْفَظُهُ أَصْحَابُ التِّيجَانِ.. وَإِنَّمَا تَحْفَظُهُ قُلُوبٌ كَأَدْمِغَةِ الطُّيُورِ، مَسْتُورَةٌ تَحْتَ خِرَقِ البَسَاطَةِ، يُطَهِّرُهُمُ اللَّهُ بِالفَاقَةِ وَالمِحَنِ، وَيَسْكُنُونَ الفَيَافِيَ وَالقِفَارَ.. يَظْهَرُون أَمْرُ اللَّهِ مِنْ طِينٍ مُبَارَكٍ يَحُفُّهُ النِّيلُ.» ثم يأتي الشعر، لأن ما يعجز التاريخ عن قوله يتكفّل به الشعر. وليس مصادفةً أن يجيء محمد الفيتوري من جهة الفقر ذاتها، ليصف بلادنا بقوله: «أغنى أهلها سادتها الفقراء». فالفقر هنا ليس عوزاً، لكنه تحرّرٌ من وهم الامتلاك، في دنيا قيل عنها: لا يملكها من يملكها. فمن ظنّ أنه امتلكها أصبح بالضرورة مملوكاً لها. لذلك ينبغي أن يأخذ منها الإنسان ما تعطيه له على استحياء. هؤلاء هم الواقفون على شرفات الفجر، لا لأنهم لم يروا النار، لكن لأنهم خرجوا منها ولم يحملوا لهيبها في قلوبهم. ومع ذلك لا نستطيع أن نقول – تأدّباً – إننا أمةٌ مختارة. فالمطلوب منا أن نكون الآن أمةً تستحق هذا الاختيار: أمة لا تبحث عن مجدٍ يُرى في أعين الناس، بل عن قيمةٍ لا يراها إلا الله. فإن كان للسودان موعدٌ مع المستقبل، فلن يكون موعده مع جنرالٍ جديد، لكن مع إنسانٍ جديد. إنسانٍ تصالح فيه العقل والروح، والحرية والمسؤولية، والقوة والرحمة، والأرض والسماء. إنسانٌ مؤهَّل لسبر غور سرّ مجمع البحرين، وليفهم لماذا هو أكبر من مجرّد موضعٍ على الخريطة. إنسانٌ يحمل هو نفسه في داخله بحرين يلتقيان لا يفقد أحدهما ماءه للآخر: ظاهرٌ وباطن، روحٌ ومادة، سماءٌ وأرض، ماضٍ ومستقبل. عند نقطة هذا الالتقاء يلوح الكنز الذي ظلّ مستوراً تحت طبقات الحرب والسياسة والاستبداد والخوف والهزائم. إذ ربما كانت هذه الحرب – على فداحتها – قد كشفت شيئاً كان ينبغي أن نراه منذ زمن: أنّ ما يسقط أمام أعيننا ليس السودان، إنما صورةٌ قديمةٌ له أبلاها الزمن. أما السودان الذي لم يولد بعد، فلا يزال يتقلّب في الأرحام، من نطفة نوحٍ وحام. بيد أن المؤكَّد – إلى الآن على الأقل – أن الفجر لا يخرج إلى الناس في منتصف الليل، لكنه يخرج حين يتمّ الليل مداه. وقد يكون ما نراه اليوم ليس آخر التاريخ، إنما هو آخر طبقةٍ من غطاءٍ كان يستره. وحين ينكشف هذا الغطاء، لن يخرج من السودان ذهبٌ سياسي، ولا طاغيةٌ جديد، أو صنمٌ آخر. سيخرج الإنسان الذي عرف النار فلم يعبدها، وعرف الفقر فلم يذلّ له، وعرف القوة فلم يطغَ بها، ثم عرف الموت فلم ينسَ اكسير الحياة. وعندها فقط نفهم معنى أن تكون الأرض مستودعاً لسرٍّ مؤجَّل. ليس لأنها أفضل من سواها، لكن لأن لكلّ أرضٍ بابها، ولكلّ أمةٍ امتحانها الخاص، ولكلّ امتحانٍ إمكاناً للعبور يخفيه في باطنه. إذ عندما يلتقي البحران مرةً أخرى عند تلك الصخرة، لن يكون اللقاء هذه المرة أيضًا بين ماءين فحسب. سيكون بين إنسانٍ عاد إلى فطرته، وأرضٍ استردّت ذاكرتها، وفجرٍ وجد أخيراً من يصلّي صبح خلاصه حاضراً.