أعمدة ومقالات

كيف استغلت الحركة الإسلامية القبيلة في تدمير السودان

​بقلم: نفيسة حجر

​تخوض المجتمعات في أوقات الأزمات الوطنية الكبرى اختبارات حاسمة لتشكل هويتها الجامعة إلا أن الحرب الجارية اليوم في السودان كشفت عن تحول حاد وخطير في بنية المجتمع.
لم تعد القبيلة مجرد إطار اجتماعي تقليدي يوفر التضامن العائلي ويصون الموروث الثقافي بل تحولت في ظل هذا الصراع إلى أداة للتجييش السياسي والعسكري حيث تُستغل لحشد المقاتلين وجمع الأموال واستنهاض النخوة العشائرية، والدفع بالشباب إلى محارق القتال لتحقيق أطماع السيطرة والنفوذ، بدلاً من بناء دولة تجمع كل المواطنين.
​هذا التدهور لم يكن وليد اللحظة بل هو امتداد لتاريخ سياسي طويل لعبت فيه الحركة الإسلامية ونظام المؤتمر الوطني الدور الأكبر في خرق النسيج الاجتماعي حيث اعتمدت السلطة حينها استراتيجية فرق تسد لإشغال المجتمعات ببعضها.
وتجلى عمق تلك الأزمة مبكراً في انشقاق قيادات الهامش نتيجة القهر الإثني داخل التنظيم نفسه بدءاً بحركة داؤود يحيى بولاد في بداية التسعينيات وصولاً إلى حركة العدل والمساواة بقيادة د. خليل إبراهيم عقب صدور الكتاب الأسود.
كشف هذان الحدثان كيف استغلت الحركة الاسلامية التعبئة العشائرية لحماية مركزها حين عجزت بنيتها التنظيمية عن استيعاب التنوع والمظالم ليتبنى النظام بعدها سياسة تسليح الميليشيات الإثنية وتفكيك الإدارة الأهلية وتقسيم الحدود وزرع ألغاماً موقوتة تفجرت في حرب أليوم .
​إن خطورة المشهد الراهن تتجلى في الاستقطاب المتبادل الذي جرف القبيلة بعيداً عن دورها المأمول. فمن جهة جرى تسويق الانحياز للجيش تحت شعارات حماية الدولة والمؤسسية وهو انحياز تعمق باستدعاء مخاوف الفئات والمجموعات التي تدعي الدفاع عن الدولة والتي تستشعر الخطر على شبكة الامتيازات التاريخية والسياسية والاقتصادية والتي اكتسبتها منذ العام 1956م حيث نجحت الحركة الإسلامية في التلاعب بهذه المخاوف واستثمارها في إقناع هذه المجموعات بأن معركتها هي معركة وجود بينما الغرض الحقيقي هو استخدامهم كغطاء لحماية الحركة لنفسها ونفوذها ومستقبلها السياسي.
وما زاد الوضع سوءاً هو إدارة الحركة الإسلامية وكتائبها لهذه الحرب بوحشية متناهية وسلوكيات انتقامية تُحاكي أساليب المجموعات المتطرفة كداعش عبر استباحة الكرامة والتنكيل بالخصوم والمدنيين وتوظيف العنف المفرط كأداة لإرهاب المجتمع.
​وفي المقابل جرى حشد الانحياز لقوات الدعم السريع تحت دعاوى مواجهة دولة 56 ورفع الظلم والتهميش.
وقد اتسعت رقعة هذا الاصطفاف الأخير نتيجة الخطاب الرسمي الذي صدر عن بعض قادة الدولة ومؤسساتها والذين وصموا مجتمعات وقبائل بكاملها بأنها حواضن اجتماعية للدعم السريع و شككوا في سودانوية تلك المجموعات بل ونادوا بضربها بطيران الجو وهو السلاح والنهج ذاته الذي ذاقت مرارته سابقاً مناطق وقبائل بعينها في دارفور وجبال النوبة مما دفع الكثيرين تحت وطأة الشعور بالاستهداف الوجودي والتهميش للارتماء في أحضان الطرف الآخر بحثاً عن الحماية أو رد الفعل.
​هكذا أعادتنا الحرب في بعض جوانبها إلى مناخات العشائرية البدائية وقيم الجاهلية الأولى حيث أُحييت منطقيات الثأر العشوائي وشاعت قاعدة “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” على أساس الدم والمكون الاجتماعي لا الحق والعدل.
وصاحب هذا التوظيف العسكري ضخ مكثف لخطاب الكراهية والعنصرية عبر منصات الإعلام الحربي الذي تديره القونات وسواقط المجتمع امثال الانصرافي وابو رهف وندي القلعة حيث تم توظيف الوسوم والأوصاف الاستعلائية لتقسيم المواطنين إلى “أصيل” و”وافد”، و”وطني” و”خائن” و”عميل”.
وتكمن المعضلة الكبرى في هذا الخطاب في فرض العقاب والمسؤولية الجماعية حيث يُدان مجتمع بأكمله لمجرد موقف اتخذه بعض أبنائه أو قياداته العسكرية. هذا التخوين المتبادل لم يكتفِ بإشعال جبهات القتال بل نقلت الحرب إلى داخل الضمائر وأحدثت شرخاً عميقاً في جدار التعايش السلمي والتداخل التاريخي بين المكونات الاجتماعية.
​عندما تتصدر العشيرة المشهد على حساب المواطنة فإنها تحل تدريجياً محل الدولة ومؤسساتها فيصبح الولاء للتحالف القبلي أعلى من الولاء للوطن وتغدو الحماية العشائرية بديلة عن سيادة القانون.
هذا التحول لا يخدم في النهاية سوى أمراء الحرب وتجار الأزمات بينما يدفع المدنيون العزل الثمن الأكبر من أرواحهم وأمنهم الاجتماعي.
​إن التعافي من أوجاع هذه الحرب يتطلب وعياً حقيقياً لتفكيك هذه الآفات القاتلة ولتكن البداية بتجريف الإرث السياسي الذي استغل العشائرية ويعمل علي ترسيخ مبدأ المسؤولية الفردية بحيث تكون الجريمة مرتبطة بفاعلها فقط دون تحميلها للمكون الاجتماعي بكامله.
كما يتطلب الأمر نأي القيادات المجتمعية عن الزج بالكيانات القبلية في الصراع العسكري والتوقف عن إصدار بيانات التأييد والتحشيد.
إن سودان ما بعد الحرب لن يستقيم بتكتلات قبلية متصارعة أو بتقسيمات مناطقية ضيقه بل يبرز أمله الوحيد في إعادة الاعتبار للمواطنة المستقلة وسيادة القانون وإعلاء صوت العدالة على أصوات التحشيد القبلي.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة