أعمدة ومقالات

اختناق

أطياف

صباح محمد الحسن

تنتحب منهم كل زوايا الظل،
وهم وحدهم من عمّقوا للوطن أوجاعه.

وعلت بالأمس أصوات الخطاب الكيزاني ضد القوى المدنية، وانبرت المنابر الكيزانية لمهاجمتها، وارتفع الخطاب التعبوي الذي تصنعه وتتبناه كتائب البراء.
وبسيطرة هذا الخطاب على الساحة، تصبح دعوة البرهان للحوار أقرب للفشل، لأن المناخ يتحول من مناخ تفاوض إلى مناخ تعبئة وتهديد، ويتحوّل إلى بيئة لا يمكن أن يولد فيها أي حوار حقيقي.
وهذا يكشف أن الجنرال لا يملك ضمانات أمنية، ولا يوجد مناخ يسمح بالحوار.
والكيزان ليسوا غاضبين لأن البرهان قرر «إبعادهم»، فهم يعرفون جيداً أنهم باقون ومتغلغلون داخل السلطة، وأن استمرار الفوضى هو بيئتهم الطبيعية، وأن أي مسار سياسي سيكشفهم ويقصيهم. لذلك هم أكثر الناس إدراكاً أن وجودهم مرتبط ببقاء الحرب، وليس بقرارات البرهان.
وهنا يأتي غضبهم الحقيقي من القوى المدنية التي كشفتهم وأحبطت مخططهم، فشعروا بالإحباط بعدما أدركوا أن ما كانوا يريدون الحصول عليه عبر «الحوار» قد سقط.
لذلك تجد أن كلما حاول واحد منهم استعراض «القوة الخطابية»، استخدم الهجوم على القوى المدنية كتعويض لضعفه؛ ليس لأن صمود أو غيرها هي المشكلة، بل لأن الهجوم عليها هو الطريقة الوحيدة ليسمع صوت الهتاف والتكبير، لأنه لا يوجد لهم انتصار في الحرب، وليس لهم إنجاز اقتصادي، ولا افتتحوا مشروعاً زراعياً.
فالزراعة حتى في مشروع الجزيرة تموت بالعطش، وهم عاجزون حتى عن استمرار تيار كهربائي مستقر؛ فكلما احتفى المواطنون بالكهرباء قطعوها ليعيدوهم إلى الذل، ثم يقومون بصيانتها من جديد حتى يمتنّوا على المواطن بأبسط حقوقه.
ولأنهم لا يستطيعون تقديم أي حل اقتصادي، ولا يستطيعون تحسين حياة الناس، أو وقف الانهيار، ولا يوجد لهم انتصار في الحرب أو إنجاز ليهتف لهم الشعب، فهم الآن بلا مكسب عسكري، وبلا رصيد سياسي، وبلا قدرة على تقديم أي حل للمواطن.
لذلك عندما يقف المسؤول في خطاب جماهيري، كيف يشعل الحماس؟
يشعله بالإساءة للقوى المدنية… فهذا هو «الإنجاز الوحيد».
فالصراخ من الفلول ومنابرهم الإسفيرية يكشف حالة ضيق اقتصادي وسياسي متفاقم، وربما قد يتسبب في حالة احتضار لجماعة فقدت كل أدواتها، ولم يتبقَّ لها سوى مهاجمة القوى المدنية في بلد يعيش في الظلام والانهيار.
في السياسة، كما في الحياة، أسوأ الطرق هي تلك التي لا تصل فيها ولا تعود.
وهذا بالضبط ما يعيشه الفلول اليوم: طريقٌ بلا وصول، وبلا قدرة على الرجوع، وبلا إنجاز يرفع الرأس.
فالصراخ الذي يملأ منابرهم الإسفيرية ليس قوة، بل علامة تنظيمٍ منهك، لذلك يصبح الصراخ هو «الوجود الأخير» لجماعة فقدت كل أدواتها.
لذلك فإن إشعال الفتنة وخطاب العنصرية والكراهية سيكون مهمتهم الأخيرة؛ إنه آخر توقيع للفلول في دفتر الحضور، قبل أن يختفي صوتهم في ظلامٍ صنعوه بأنفسهم.
وطالبت أقلامٌ صحفية البرهان بعدم العفو عن صمود
«العفو المرفوض» من القوى المدنية، وذهبت إلى حدّ اتهام القوى المدنية بأنها تسببت في قتل وتشريد الشعب السوداني وارتكاب الموبقات.
وهذا لا يكشف فقط عن تعدٍّ سافر ووصفٍ ظالم ومعيب للقوى المدنية، بل إن هذه الأقلام تجاهلت أن القائمة نفسها تضم أربعة من زملائهم الصحفيين.
هذا التجاهل يكشف أيضاً عن مخالفة صريحة لأبسط قواعد العرف الصحفي؛ فالموقف حين يُبنى على الانتقاء لا على المبدأ، يتحوّل من رأيٍ إلى وصمة.
والغريب أن ذات الأقلام لم تكتب كلمة واحدة تحث فيها البرهان على عدم العفو عن النور قبة أو السافنا!!
فمؤسف أن تتجاوز مهنة الصحافة الاختلاف في الرأي السياسي، وتتحول إلى خللٍ في ميزان الأخلاق.
طيف أخير:

لا_للحرب

مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية: خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لهذا العام لم تتلقَّ سوى 41 في المائة من المبلغ المطلوب.
مجتمع دولي غير متحمس للاستجابة للمساعدات الإنسانية… فكيف يستجيب لدعم حكومة لتحسين اقتصادها وهي التي تتسبب في هذه الكوارث!!

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة