وانجلت الأوهام، ولم يعد يخفى على ذي بصيرة أن إشعال هذه الحرب العبثية وإطالة أمدها لم يكن يوما دفاعا عن حياض الوطن، ولا ذودا عن مؤسسات الدولة كما يزعم مروجوها، بل كان مشروعا سياسيا مدبرا بليل، غايته تفويض البرهان وتنصيبه حاكما مطلقا لا ينازعه أحد.
إن البرهان حاكم متسلط بالقوة منذ سنوات طوال؛ فقد اعتلى سدة الحكم منذ عام 2019 عبر المجلس العسكري ثم المجلس السيادي، ثم انقلب على الوثيقة الدستورية والشراكة المدنية في عام 2021 لينفرد بالسلطة. وما كان ينقصه الحكم والصولجان، بل كانت تنقصه الشرعية والمشروعية، فاتخذ من الحرب مطية لفرض شرعية موهومة بقوة البندقية، وليقدم نفسه رمزا للدولة ومنقذا أوحد لها، وما هو إلا صانع محنتها وأصل بلائها.
وما الانقلاب الغاشم، وحملة شيطنة القوى المدنية والناشطين الشرفاء، وإشعال هذه الحرب الضروس، إلا حلقات متصلة في سلسلة واحدة، نُظمت بإحكام من أجل تفويض العسكر، وتتويج البرهان، وإعادة فلول النظام البائد إلى سدة الحكم من جديد. ومن لم يفقه الدرس من بداياته، فلن يستوعبه إلا بعد لفة طويلة من الألم والمعاناة.
إن الحديث عن تفويض شعبي تحت أزيز الرصاص ودوي المدافع، وفي ظل القصف والنزوح والمجاعة، لهو ضرب من العبث السياسي والاستخفاف بالعقول. فالتفويض لا يُمنح تحت تهديد السلاح، ولا يُستجدى من شعب مشرد تتقاذفه معسكرات اللجوء والنزوح. وحين يجتمع الجهل بفنون إدارة الدولة مع الاستبداد الأعمى في التشبث بالسلطة، فلا تكون الثمرة إلا الفشل الذريع: فشلا في إيقاف نزيف الحرب، وفشلا في إدارة الاقتصاد المنهار، وفشلا في صون وحدة البلاد وسيادتها، وفشلا في كسب ثقة الشعب واحترامه.
لقد انقلبت الحرب من وسيلة عابرة إلى غاية مقصودة، فأضحى استمرارها مرادفا لاستمرار قبضة البرهان وزمرته على مفاصل الدولة، وذريعة لتعطيل كل مسار مدني ديمقراطي قد يفضي إلى قيادة شرعية منتخبة. إنهم يخيرون الناس بينهم وبين الفوضى، ويقولون لهم: لا بديل عنا، بينما هم في الحقيقة صانعو الفوضى وبذرتها الأولى.
وعلّمنا التاريخ أن الشرعية الحقة لا تولد من فوهات البنادق، ولا تستمد من ميادين القتال، بل تنبع من صناديق الاقتراع ومن الإرادة الحرة للشعوب. وكل محاولة لشرعنة الأمر الواقع بقوة الحديد والنار مآلها الخيبة والاندحار، كما اندحرت من قبلها كل تجارب الحكم العسكري في السودان، لأنها تأسست على القهر لا على القبول، وعلى الخوف لا على الرضا، وما بني على الباطل فهو باطل.ولايصح الا الصحيح وبس.