أعمدة ومقالات

سؤال إضافي

أطياف
صباح محمد الحسن

طيف أول:
الأرواح أينما ولّت لا تضلّ دروبها،
قد تنيخ ركابها كلما أجهدها الوقت.

بالأمس استمعتُ لحوار مع وزير الدفاع أجرته الزميلة لينا يعقوب على قناة الحدث، أيقنتُ من خلاله أن مأساتنا ليست في حجم الحرب والدمار وما وصل إليه حال البلاد، بل في حجم أزمة الخطاب العسكري المليء بالتناقضات.
فالوزير تحدث : بعد الحرب لا نريد أي مليشيات، ولا نريد أي قوة تفرض رأيها على الحكومة والأجهزة الأمنية.
وهذا يحمل اعترافاً ضمنياً بأن وجود القوات العسكرية المساعدة الآن تحوّل بلسان الجيش إلى “مليشيات”، مما يعني أن خطاب إدراك الخطر بدأ الآن. وكأن الوزير يقول: ليس ثمة مشكلة طالما الحرب مستمرة، وهذه القوات الآن تفرض سلطتها “على كيفها”.
وحوار وزير الدفاع كشف أن الحكومة تتعامل مع ملف المليشيات بمنطقها الخاص؛ فهي ترفضها «بعد الحرب»، لكنها لا ترى بأساً في وجودها الآن طالما أن القتال لم يتوقف.
وعندما تحدّث الوزير عن دمج القوات المساندة، قال إن الحركات المسلحة لا ترفض الدمج، وإن المؤسسة العسكرية نفسها موافقة عليه، وإن العملية ستتم بعد انتهاء الحرب.
لكن السؤال البديهي هنا: ما الذي يمنع الدمج الآن؟
وهل من الأفضل أن تحارب الدولة بقوات خارج صفوفها أم ضمنها؟ وإذا كانت هذه القوات قابلة للدمج بعد الحرب، فلماذا لا تُدمج قبلها، بحيث تصبح جزءاً من منظومة واحدة بدلاً من أن تبقى قوة موازية؟
إن الحديث عن الدمج إلى ما بعد الحرب التي لا أحد يعمل على وقفها يفتح الباب لتساؤلات مشروعة حول جدية الدولة في إنهاء ظاهرة القوات الموازية، وحول ما إذا كان وجودها الآن يخدم أهدافاً لا يُراد الإفصاح عنها.
ويقول الوزير إن عمل القوات المساندة يجب أن يستمر، لأن هذه “حرب الشعب السوداني”.
وهنا لا يتجمّل الرجل، بل يكذب بارتياح؛ فمتى كانت هذه حرب الشعب؟
الشعب لم يخترها، ولم يشارك في صناعتها، بل كان هو أول من دفع ثمنها قتلاً وتشريداً ومعاناةً لا تنتهي.
كيف تُسمّى حرب الشعب وهي التي مزّقت الشعب، وهدمت مدنه، ودفعت به إلى المنافي، وجعلت حياته سلسلة من الألم واللواء؟
وعندما سألته المذيعة عن كيفية تجنّب خطأ الدعم السريع وعدم تكرار التجربة، قال: لابد من تقليص الأحزاب إلى خمسة أحزاب فقط. “أي والله” هذه كانت الإجابة.
وهنا ربط خطأ المليشيات بالأحزاب لا بوصفه ربطاً غير منطقي فحسب، بل لأنه عندما يُحاوَر أي مسؤول عسكري، يتحدث أولاً السياسي الساكن في أغوار قلبه.
وعادت المذيعة قائلة: لكن الأحزاب ليست هي التي صنعت الدعم السريع.
فقال الوزير: المؤتمر الوطني هو من صنعه، والجيش ما عنده علاقة بصناعة الدعم السريع.
ولم أتوقع تجاوز هذا المحور الذي كان الاستمرار فيه سيقدّم نتيجة للمشاهد، وهو: ماذا عن المادة (5)؟
ومن الذي عدّل القوانين بحيث يتحوّل الدعم السريع من مليشيا إلى قوات تتبع للقوات المسلحة؟
ومن هو صاحب المقولة الشهيرة: «الدعم السريع من رحم القوات المسلحة»؟
لكن السؤال انتقل مباشرة إلى مرحلة ما بعد الحرب.
ويواصل الرجل حديثه بما يجافي الحقيقة، قائلاً إن كل الفوضى في الخرطوم سببها “عصابات” كانت مع الدعم السريع ولم تنسحب معه، وبقيت هناك تسرق وتنهب.
وهذه رواية قد تليق به شخصياً، لكنها لا تليق بمنصبه.
فإذا كانت الحكومة قد استطاعت ـ كما يقول ـ أن تُجبر قوات الدعم السريع على الانسحاب من الخرطوم، فلماذا عجزت عن القضاء على ما تبقّى منها؟

وكيف تُهزم قوات كاملة، ثم تعجز الدولة عن تفكيك “عصابات صغيرة” يدّعي أنها مجرد بقايا؟
ويواصل الوزير حديثه محاولاً إظهار تقدّم الجيش وسيطرته وفرض نفوذه، لكنه يعود في ذات الحوار ليقول إنهم أخبروا مجلس الأمن والدفاع الإفريقي في زيارته الأخيرة أن الزيارة جاءت “متأخرة”، بعد سقوط الفاشر والجنينة ومدن كثيرة.
وهذا تلميح وتبرير غير صحيح؛ فالوزير يريد أن يقول إنهم لم يقبلوا الزيارة، بينما الحقيقة أن المجلس عندما زارهم اشترط وقف الحرب وضرورة السلام قبل الحوار الذي دعا له البرهان
وهنا يتبدّد الخطاب الذي يروّج للتقدّم والسيطرة؛ فكيف يتقدّم الجيش بينما المدن تتساقط واحدة تلو الأخرى؟
إن هذا التناقض لا ينسف رواية التقدّم فحسب، بل يكشف أن الواقع الميداني يسير في اتجاه آخر تماماً، لذلك لا يحتاج الأمر إلى تفسير، بل إلى مساءلة.
وفي ختام إجاباته، وعند سؤاله عن التحالف البحري الدفاعي بقيادة السعودية، قال الوزير إن السودان يشارك في “تأمين العالم”، لأن البحر الأحمر يتعرض للقرصنة والتجارة غير المشروعة.
وسؤال إضافي كيف يمكن لجيش يعجز عن تفكيك العصابات المسلحة داخل الخرطوم، ولم يستطع حسم الفوضى في عاصمة بلاده، ناهيك عن حسم الحرب، أن يتحدث عن تأمين العالم؟
فمن لا يملك القدرة على فرض الأمن داخلياً، لن يكون قادراً على تقديمه خارج حدوده.
والحديث عن حماية البحر الأحمر هو صفقة سياسية تأتي في وقت لا تزال فيه الدولة تكافح لاستعادة سيطرتها على شوارعها.
طيف أخير:

لا_للحرب

لو انشغلت الفلول وقواتها المسلحة بالطرف الحقيقي للحرب أكثر من انشغالها بالحديث عن قوى الحرية والتغيير، لحققت نصراً عسكرياً وسياسياً
فبدلاً من أن يحدّثوا المواطن عن مستقبلهم السياسي، يستهلكون طاقتهم في الحديث عن “يجب ألا نقبل المدنيين”، وهذا يؤكد عدم ثقتهم الكاملة في مشروعهم، إن لم يكونوا قد فقدوا الثقة حتى في أنفسهم.

زر الذهاب إلى الأعلى

لايمكن نسخ محتوى هذه الصفحة